،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
29 Dec
29Dec


المصطفى روض

من غرائب الأمور التي جعلت المشهد السياسي في البيرو تكسوه حالة سوريالية، أن يساق الرئيس اليساري، بيدرو كاستيو إلى السجن رغم انه انتخب بشكل ديمقراطي و وصوله إلى رئاسة الدولة تم عبر صناديق الاقتراع، إذ اعترفت بشرعيته معظم الدول بما فيها تلك التي تعادي حكومات اليسار في العديد من البلدان و كان على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية رغم اعتراضات قوى اليمين في البيرو بزعامة كيكو فوجيموري منافسته في الانتخابات الرئاسية التي هزمها كاستيو. 

صحيح أن بيدرو كاستيو كما نشرت عنه كافة وسائل الإعلام و كما أظهره التلفزيون الرسمي، ألقى خطابا ناريا يقرر عبره حل البرلمان و تشكيل حكومة طوارئ و إجراء انتخاب برلمان جديد و إعلان حالة طوارئ في وقت كان يعتزم فيه البرلمان الذي خططت أغلبيته اليمينية لمحاكمة الرئيس اليساري، حيث قرر إقالته من منصبه كرئيس بعدها مباشرة سيتم اعتقاله و اتهامه بمجموعة من التهم بينها الفساد المالي و التمرد على النظام و الدستور. 

و معلوم أن الرئيس اليساري بمجرد اعتقاله، قام البرلمان بتنصيب نائبته اليسارية، دينا بولوارتي، رئيسة للدولة و التي شكلت حكومة انتقالية بسرعة التفت حولها كافة المؤسسات العسكرية و القضائية و مختلف الأحزاب و رفاقه اليساريين في حكومته، و على المستوى الخارجي، جاءت كل ردود اليسار منحازة للتبريرات التي صاغها البرلمان و عززوا موقفهم مما حدث على أنه تم وفق المقتضيات الدستورية لأنهم لم يستسيغوا قيام الرئيس بيدرو كاستيو إعلانه حل البرلمان مع باقي الإجراءات الأخرى التى رأوا فيها تناقضا مع الدستور، حتى الزعيم اليساري في البرازيل، لولا داسيلفا، كتب رسالة إلى الرئيسة المعينة من قبل البرلمان مزكيا ضمنيا إجراء البرلمان، و حكومة التشيلي اليسارية، هي الأخرى، سارت على نفس النهج المكرس لمقولة الشرعية الدستورية، لكن حكومة اليسار المكسيكية و إن كانت في بداية الأمر تؤكد حيادها و عدم تدخلها في الشأن البيروفي، اضطرت أن تدافع على الرئيس اليساري المقال من منظور حقوق الإنسان مبدية نيتها القوية في منحه اللجوء السياسي رفقة أسرته قبل أن تتطور الأمور ليتفجر الصراع بين المكسيك و البيرو لدرجة قامت الأخيرة بطرد السفير المكسيكي، فيما كان رئيس كولومبيا اليساري، بيترو غوستافو، أول المدافعين عن الرئيس البيروفي المعتقل من زاوية حقوق الإنسان. 

لكن الغريب فيما جرى، هو الغموض الذي اكتنف عملية إلقاء الرئيس اليساري خطابه الناري ليتم اعتقاله مباشرة بعد ذلك و اقتياده إلى نفس السجن الذي يوجد فيه الديكتاتور اليميني فوجيموري و الذي يقضي محكوميته منذ عدة سنوات بعد ارتكابه لكبائر الجرائم ضمنها القتل و الفساد المالي و السياسي.  



و توضح الغموض و طبيعته السياسية عندما صرح الرئيس كاستيو بأنه لا يعلم بأنه ألقى خطابا يعلن فيه حل البرلمان و الدعوة لانتخابات جديدة، حيث قال بالحرف لأحد رفاقه الذي زاره، إنه قبل تسليمه ورقة الخطاب، شرب من كأس سلمت له،  و لم يكن على وعي بما جرى، معنى هذا أنه تم تخديره لكي يلقي خطابا لم يعرف مضمونه مسبقا. 

هذا الكلام، كما نشرته صحف بيروفية، يفيد بأن ثمة انقلاب جرى تنفيذه من قبل رفاقه اليساريين خدمة لأجندات و خطط يمينية زكتها من خلف الستار مؤسسة النيابة العامة و الجيش و الشرطة و جوقة من يسار مزور كان مصدر ثقة و اعتزاز من قبل الرئيس. 

و مباشرة بعد أن شاع خبر هذا الانقلاب، خرجت الشعوب الأصلية و القطاعات العمالية و الفلاحية و الفئات الاجتماعية المهمشة إلى الشوارع في انتفاضات عارمة تطالب بإطلاق سراح الرئيس كاستيو و بحل البرلمان و إجراء انتخابات برلمانية جديدة و بمحاكمة المتورطين و بإقالة الرئيسة بولوارتي المعينة من قبل البرلمان الحالي.  

و قد عمت الانتفاضة كل التراب الوطني في البيرو، حيث تواجه المنتفضون مع الجنود و رجال الشرطة، و احتلوا عدة مطارات في مدن مختلفة، و أحاطوا في العاصمة بمقر البرلمان و اعتبروه غير شرعي وجب حله فورا، و أصبح ميزان القوة في البيرو يميل كليا لفائدة الشعب و قواه اليسارية و الديمقراطية الحقيقية، و هو ما جعل اليسار في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية تستفيق لتدرك أن ما جرى ليس هو بالذات تلك الصورة التي سوقتها بعض وسائل الإعلام في بداية الأمر. في هذا السياق، تجمعت قوى و جماهير جبهة اليسار الموحد أمام قنصلية البيرو في العاصمة الأرجنتينية، بوينس إيريس، للتعبير عن تضامنها مع شعب البيرو في انتفاضته العارمة و للمطالبة بدعمه بشكل فعال، إذ قال الزعيم الوطني للجبهة اليسارية، كريستيان كاستيو: "إننا نواجه انقلابا جديدا في أمريكا اللاتينية، بطريقة تتشابك فيها القوة الاقتصادية و جزء من المعارضة اليمينية و قوة الإعلام و منظمة الدول الأمريكية و إمبريالية أمريكا الشمالية"، مضيفا "لقد رأينا طريقة العمل هذه طوال القرن الواحد و العشرين في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية". 

و فسر زعيم الجبهة اليسارية لرفاقه و الجمهور المتعاطف، الذين تجمهروا  أمام قنصلية البيرو، بأن الانقلاب "كان يختمر منذ تولى كاستيو السلطة، و ماذا فعل كاستيو حيال ذلك؟ إذ اعتبر بأنه كان يستسلم لكل الابتزازات التي فرضها اليمين و الأوليغارشية البيروفية، مضيفا بأنه خان مطالب الجماهير التي أتى بفضلها إلى رئاسة الحكم. 

و قال زعيم الجبهة اليسارية في الأرجنتين متسائلا:"كيف لا نتضامن مع مظاهرات شعب البيرو؟ إنهم يقتحمون صندوق الباندورا الذي يمكن ان يكون استمرارا للثورات في التسيلي و كولومبيا"، مستخلصا ضرورة القيام بتعبئة كبيرة في جميع أنحاء القارة الأمريكية للتضامن مع شعب البيرو مع إضرابه الوطني من أجل هزيمة اليمين الإنقلابي. 

و سيرا على نفس الطريق النضالي، التحمت قوى يسارية أخرى في الأرجنتين و في كولومبيا و بوليفيا و كوستا ريكا و المكسيك و البرازيل و الباراغواي و الاوروغواي...للتضامن مع انتفاضة شعب البيرو و رئيسه المعتقل بيدرو كاستيو.