،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
10 Mar
10Mar


                         اهتمام ملحوظ.. و وعي بيئي محدود

بقلم: المصطفى روض

خلال عقد من الزمن أو على الأرجح منذ انعقاد قمة الأرض الاولى في ري ودي جانيرو بالبرازيل عام 1992، أصبح الاهتمام بموضوع البيئة في المغرب يتزايد بشكل ملحوظ حيث كافة القطاعات الجمعوية و الاقتصادية و الثقافية و الحزبية و الإعلامية.. تنشغل بهذا الموضوع لدرجة تحول معها إلى قضية كبرى. 

و هناك عدة عوامل تقف وراء بروز هذا الاهتمام بالبيئة نشير اهمها فيما يلي: 

1 - الاختلالات الواضحة في النظام البيئي و توازناته و التي باتت عناوينها الكبرى تتمثل في ظاهرة التصحر الزاحفة في العديد من المناطق.. و ما تسببه من أضرار الأراضي الفلاحية. 

التلوث الناجم عن أنشطة الوحدات الصناعية الكيماوية و الغازية و البترولية و الكهرومائية الذي بات يشكل خطرا كبيرا على حياة السكان المجاورين لهذه الوحدات و على مختلف مكونات المجال البيئي (الهواء، الشواطئ، الفلاحة، الثروة السمكية...). 

النفايات المنزلية داخل الأحياء السكنية و ما تسببه هي الأخرى من تهديد لصحة المواطنين و تلويث للهواء و للآبار و و الحياة الباطنية و ما ينتج عن ذلك من امراض خطيرة و فتاكة.

 التلوث داخل المدن الناجم عن الغازات الدفيئة التي تنفثها عوادم وسائل النقل خصوصا الحافلات الرابطة بين المدن و حافلات النقل الحضرية المتمركزة في العديد من المحطات.

 2- اهتمام وسائل الإعلام المحلية (السمعية و المرئية و المكتوبة)، بما يجري في البلدان الغربية من عناية شديدة بقضايا البيئة، سواء على صعيد المؤتمرات التي تعقدها، بين الفينة و الأخرى، المنظمات غير الحكومية أو على مستوى تحرك وزراء البيئة لتطبيق المعايير الدولية أو سن تشريعات محلية للحد من ظاهرة التلوث انسجاما مع شعار التنمية المستدامة.. أو فيما يخص حركات الاحتجاج القوية التي تطلقها بعض المنظمات البيئية و على رأسها حركة "غريمبيس" على سياسة بعض الحكومات الغربية التي تتجاوز تطبيقاتها المعايير الدولية و تتسبب في تلويث الهواء داخل الفضاءات السكنية، كما يحدث أحيانا مع تسرب الإشعاعات النووية.. أو تسرب بقع نفطية إلى عرض البحر. 

3- تأسيس مجموعة من الجمعيات المهتمة بموضوع البيئة من جهة، و من جهة أخرى، إحداث وزارة خاصة بالشأن البيئي، بالإضافة إلى جعل هذا الموضوع نفطة في جدول أعمال الأحزاب السياسية باختلافها مشاربها الإيديولوجية كلما حلت مناسبة ما. و رغم أن هذا الاهتمام الملحوظ شمل كافة القطاعات و المؤسسات، فإن إشاعة الوعي البيئي لدى أوسع الشرائح الاجتماعية و المواطنين في القرى و المدن لم يثمر شيئا، و ظل في حدود هزيلة قياسا مع المبادرات الجمعوية.. و مع الحملات التحسيسية لوزارة البيئة.. و كذلك قياسا مع المشكلات البيئية الكبرى التي يواجهها المغرب و المغاربة.  

                           الإشكالية البيئية حمالة أوجه 


و السؤال المطروح هو أين تكمن الإشكالية التي تحول دون إشاعة وعي بيئي فعال بدل الاقتصار على مجرد اهتمام بيئي بقضايا البيئة من قبل الفعاليات و المؤسسات..؟ 

إن الإشكالية البيئية حمالة أوجه، فوجهها الأول يكمن في غياب الخطاب البيئي؛ و وجهها الثاني يتمثل في انعدام لوسائل التدخل و المعالجة للمشاكل البيئية؛ و وجهها الثالث يتمثل في طبيعة الطرق المتبعة لإشاعة الوعي البيئي؛ فيما وجهها الرابع له علاقة بغياب تشريعات بيئية فعالة، فضلا عن عدم إيلاء أي اعتبار للمعايير الدولية. فعلى مستوى الخطاب البيئي، تجدر الإشارة إلى أنه لم يتأسس بعد في المغرب مثلما عليه الخطابات الأخرى كالخطاب السياسي أو الخطاب الفلسفي أو الأدبي أو النقدي المختص بدراسة الأجناس الأدبية و الفنية، بحيث لم يكن كافيا الاهتمام البيئي الذي ساد قرابة عقد من الزمن لكي يتأسس هذا الخطاب نظرا لانعدام شرط التراكم في الثقافة الإيكولوجية الوافدة إلينا من الغرب، و نظرا - كذلك – لصعوبة تبيئة مفاهيم تلك الثقافة مع خصوصية الواقع البيئي المغربي.                                   

                                خطاب هلامي 

و ما ساد حتى الىن، من اهتمام بيئي لا يعكس في واقع الامر سوى خطاب هلامي تحكمه اللفظة الانبهارية و القصدية المظهرية، لأن موجة الاهتمام كانت منذ البداية عبارة عن "موضة" استقطبت لها مجموعات كبيرة من الجمعيات تطلق على نفسها مصطلح "جمعيات المجتمع المدني". لكنها، من حيث طبيعة اشتغالها، تفتقد للوسائل الفعالة المؤثرة التي تعتمدها حركات المجتمع المدني في مقاومة المشاكل البيئية الكبرى و تقتصر على مجرد أساليب عمل جد تقليدية رغم أن لحظة تأسيسها كانت تبشر بإنجاز مشاريع كبرى في معالجة قضايا البيئة و بغاية إشاعة الوعي بالأخطار البيئية المحدقة بها. 

و اللافت للانتباه أن هذه الجمعيات، رغم الدور الذي لعبته بعضها.. و رغم انها تاسست قبل غحداث وزارة البيئة، فإن هذه الاخيرة تميزت عنها ببعض المبادرات الهامة في حملات التحسيس بالمشاكل البيئية، ليس لأنها، فقط، تتوفر على الغمكانيات المادية، بل لوجود أطر و خبراء كان لهم دور في البحث و دراسة المشاكل البيئية و وضع مشاريع لمعالجة التلوث البيئي على شكل مقترحات و وسائل عمل بما فيها مشروع الاستراتيجية الوطنية في مجال البيئة. 

غير أن ذلك كله، لم يساعد على بلورة خطاب بيئي مستمد من خصوصية مجالاتنا البيئية و الجهوية و الوطنية.. كما لم يساعد على ظهور قاموس محلي خاص بالمفاهيم و التقنيات البيئية.. فكل ما هو موجود عبارة عن محمول لغوي وافد إلينا يصلح فقط لتنميق الخطاب و ليس لتأسيسه و علمنته وتبيئته. 

و ليس أدل على ذلك من أن هذا المحمول قد يحدد لنا المشاكل البيئية بشكل عام، و يوضح لنا المعايير المعتمدة دوليا في الحد من انتشار التلوث.. لكنه عاجز في أن يرشد الجمعيات البيئية على تلمس زواهر هذا التلوث المحلي لمعالجتها من الناحية النظرية العلمية بهدف معرفة مصدرها و أسباب تكونها. 

ففي سنة 1995، توفي ثلاثة مواطنين بمدينة الرباط ضمنهم أستاذ جامعي بعد تناولهم لوجبة سمك "السردين". و في نفس السنة توفي مواطن بالدارالبيضاء، و نقلت مجموعة من أفراد عائلته إلى المستشفى في حالة خطيرة إثر تناولهم لوجبة سمك "الشرن"، و تحدثت وقتها الصحافة الوطنية عن علاقة وفاة هؤلاء المواطنين بتلوث السمك، معتبرة أن الضحايا أصيبوا بحالة تسمم. لكن مصالح وزارة البيئة أصدرت بيانا برات من خلاله السمك من تهمة تسميم المواطنين دون أن تذكر بالأسباب الحقيقية لوفاتهم. 

و إذا كان العديد من هذه الجمعيات يعتبر أن الشواطئ المغربية، محور الرباط -الدارالبيضاء، جد ملوثة بسبب وجود نفايات كيماوية و بترولية في جوف البحر، فإنها لا تستطيع أن تبرهن من الناحية العلمية على وجود علاقة بين وفاة أولئك المواطنين و حالة تسمم الشواطئ لأنها من جهة تفتقد لخطاب بيئي علمي مؤسس و دقيق، و من جهة ثانية، ليس لديها، للتثبت من حالة تلوث تلك الشواطئ و درجته، الوسائل و المختبرات، فكيف لجمعيات تقتصر في نشاطها البيئي على كلام عام، و عندما تقع وفيات اغو كوارث بيئية كما حصل قرب شاطئ مدينة آسفي عام 1992، لما أصيبت باخرة "خرج" الإيرانية بعطب و تسربت حولتها النفطية إلى عرض البحر و الأراضي الفلاحيةن تكتفي فقط بإصدار بيانات لتأكيد مواقفها من هذه الحوادث البيئية. 

و هذا الإجراء تتبعه معظم الجمعيات، يضاف إليه تنظيم بعض الندوات في محاور بيئية خصوصا عند حلول اليوم العالمي للبيئة أو في يوم الشجرة أو اليوم الوطني للغابة.. لكنها لا تستطيع ان تذهب أبعد من ذلك في عملية التحسيس و التوعية البيئية حتى يصبح للمواطن المغربي سلوك بيئي يجعله محصنا و واعيا باهمية حماية المجالات البيئية. 

                       العجز يطال الجمعيات البيئية 

و يستخلص من ذلك العجز الذي يطال هذه الجمعيات، حدود تعاطيها مع الشأن البيئي و محدودية دورها في إشاعة الوعي بظاهر التلوث البيئي و مخاطره على السمتوى الصحي و على مستوى الإخلال بالتوازنات البيئية. و فيما يخص وزارة البيئة، رغم ان اهتمامها كان بارزا سواء من خلال المجلس الوكني للبيئة الذي ساهم في إحداث مشاريع و تصورات و ملتمسات.. أو على مستوى الندوات و اللقاءات التحسيسية، فإن الجوهري في تلك المشاريع لم تأخذ به الحكومة، إذ ما فائدة تلك المشاريع و الدراسات الهامة إذا لم تأخذها الحكومة بعين الاعتبار و تستند إليها في سياستها العامة من اجل ضمان تحقيق شعار التنمية المستدامة على أرض الواقع؟ 

و لا يعقل أن لا تخصص ميزانية سنوية خاصة بمعالجة آثار التلوث و باعتماد وسائل فعالة و متطورة للحفاظ على التوازنات البيئية. 

و حسب احد الخبراء، فإن سنة 1989 عرفت خسارة تقدر ب 20 مليار سننتيم ناتجة عن عدم محاربة الإضرار بالبيئة في الوقت الذي تقر فيه إحدى الدراسات أنه في حالة وضع خطة عامة للوقاية، لإغن الخسارة ستكون أقل بكثير جدا.. و لو تم العمل بتوجيهات المجلس الوطني للبيئة لأمكن للمغرب من تلمس الطريق نحو النهوض بمجال البيئة و إدخالها كبعد مندمج في الحياة العامة للمجتمع المغربي. 

نشرت هذه المقالة في صحيفة "الإتحاد" بأبو ظبي صيف 1998