،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
12 Mar
12Mar


بقلم: نجاة زين الدين

تعاقب الأيام، ليحل الثامن من مارس، على عادته ككل سنة، باحتفائياته المناسباتية و بهرجة وروده و تبادل التهاني و التبريكات و طبع القبلات على جبين الأمهات و الزوجات و الإبتسامات لزميلات العمل و رفيقات دروب النضال، فتتلون صيغ الإحتفال به، بكل ثمالة الفصام المخضب بذكورية الموروث و انتظار التغيير الموعود...

نعم، نحتفل باليوم ببيوتنا و مقرات عملنا و مراكز تسوقنا و بنوافذ إعلامنا الرسمي و اللارسمي بنفاق و تزييف لواقع المعاناة و التسويف الذي تواجه به المرأة ما تبقى من أيام السنة، يعني 364 يوما بالتمام و الكمال، في تحسر يدمي القلب و تأوهات تزلزل الكيان بالتساؤلات الكثيرة و المتنوعة عن سبب كل هذا التمييز الذي يطالها بمختلف المواقع و الأماكن...

نحتفل، و نحن متناسين أهمية الحدث، الذي خلد من أجله اليوم  كذكرى سنوية، حيث رسخ في الأذهان بنضال مجموعة من النساء، حين تمردن على الاستغلال و البؤس و كل صيغ التشيء، ليضحين بحياتهن، مقابل إسماع صوتهن إلى كل العالم، و ليحررن المرأة من تلك التبعية الرديفة للقهر و الاحتقار و الامتهان للبطريركية البائسة و البائدة...و لذلك الموروث التربوي المتراكم، الذي لا يستطيب الحياة إلا بمعاملة المرأة من منظور التشيء و الفوقية و على أنها كائن من الدرجة الثانية، أو فريسة ينهش فيها جسدها و تخترق فيها كينونتها بكل مخالب التكالب الشرس المتمثلة في كل صيغ التمييز بين الجنسين و  التحرش الذي تعدى سقف الملموس الى الإفتراضي عبر وسائط التواصل الاجتماعي بدون استيحياء و متنفسا لمكبوثات الذكورة و عقدها النفسية المريضة...لأن زاوية رؤياها تنطلق من تعسف الأنا المجتمعية النرجسية و السادية...و التي تحب تضخيم أهمية ذات الرجل و دوره المجتمعي المتخلى عنه بكل جبن منذ مدة زمنية طويلة و ليست بالهينة (عدد ملفات الإهمال الأسري المعروضة على محاكم المغرب، و كذلك كم النساء اللواتي خرجن للعمل مرغمات لتغطية متطلبات الأبناء و مستلزمات الحياة...) من منطلق أنه محور الحضور و الوجود، و أن المرأة تجسيد مطلق للاستكانة و الضعف و البلادة و الخنوع و الإستسلام...في حين أنها اثبثت بكفاءتها و صبرها و قدراتها المعرفية و العملية عكس ذلك... 

نعم يحل الثامن من مارس هذه السنة، كعادته في تباين صارخ  في التصورات العامة للمواطنات و المواطنين، للسياسيات و السياسيين و للمناضلات و المناضلين...فالكل يحتفل باليوم بطريقته و بأسلوبه، و كل يغني على ليلاه بإيقاعه و سمفونيته، إلا أن الأمر أعمق من وردة مهداة، و من تصريحات مدلاة و من بيانات شجب وتنديد مستقاة، لأن اليوم، هو محطة نضالية بامتياز لتجديد العهد و التمسك بمطالبنا كفعاليات نسائية مؤمنة بمبدأ المساواة بين الجنسين و المناصفة الفعلية بكل المواقع و في كل القرارات تذكيرا للعالم بأننا قبل هذا و ذاك...أصل الحياة بعد قرار الخلق الذي يبقى بيد  رب العباد...و اننا وجود فاعل لا مفعول به، و أننا قوة إقتراحية و تشاركية،  فاعلة لا تكملة صورية و شكلية لتأثيث ديكورات كل الفصائل و المكونات الحزبية و الجمعوية و كل المواقع المدنية... 



نعم، الأمر أعمق من كل ما سبق، لأنه يلزمنا بالوقوف مع الذات كنساء، أولا لمساءلتها عن  مكنون ما تحقق لحدود الساعة بعد كل هذه السينين و مسيرات النضال الجسيمة التي قطعتها كل الحركات النسائية الوطنية، و مساءلة من يتولى تدبير شؤوننا السياسية الداخلية العامة بكل جرأة، من خلال محاسبتهم على مسؤولياتهم الكبيرة ومهماتهم الخطيرة إزاءنا: كمواطنات، كفاعلات، كجمعويات،  كسياسيات، كمربيات، كموظفات، كمحاميات، كطبيبات، كاستاذات، كقاضيات، كربانات سفن و طائرات، كمقاولات، كسائقات مهنية، كفلاحات، كأمهات، كزوجات، كربات بيوت، كأخوات، كبنات و كطفلات، كتلميذات و كطالبات.... إلخ... كنت أقول مساءلتهم عن مدى صحة نسب تصريحاتهم التي يدلون بها، و عن ما تحقق بالفعل و ما لم يتحقق و عن ما بقي مجرد مكتوب مركون في رفوف قيماطرات انتظارات التفعيل بكل المواقع (محاكم، وزارات، أحزاب، نقابات، جماعات ترابية...)، حيث تجد المرأة نفسها مجرد ديكور يؤثت المشهد الحضوري، بسبب القمع و التحقير الذي يطال اقتراحاتها و الاستهزاء الذي يعرقل أداءها....و عن ما شهدته مجموعة من المكتسبات الحقوقية النسائية من نكوص و قهقري و تراجع خطير، بسبب ما صار يثير اشمئزاز الإنسانية برمتها نتيجة كثرة حالات التمييز و العنف المفضي للقتل و التقتيل العمد و الإتجار بالبشر حيث تبقى المرأة الضحية رقم 1 في ترتيب سلم هذا الإتجار (جسدا و روحا)، في ضرب مدوي لكل المواثيق و المعاهدات الدولية الموقعة من طرف كل الدول تقريبا و التي يبقى المغرب واحد منها مع كامل الأسف...

نعم تحل ذكرى الثامن من مارس هذه السنة على إيقاع نشاز، تتقاطع فيه التصفيقات للإنجازات الكثيرة و اللامعترف بها الا في هذا اليوم لغرابة و مهزلة الموقف، انجازات أحرزتها المرأة كقوة فاعلة حقيقية: سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا، بحيث تمكنت من انتزاع حضور مفعل بنضالها و كفاحها  و عملها اليومي الجاد َوالمسؤول ازاء أسرتها و كل محيطها، عمل لا يتحدد بالثامن من مارس فقط، بل يمتد على مدار  طيلة أيام السنة و بدون توقف...و بين حكم مقزم لإرادتها و حاد من طموحها و عطائها...و قاهر لصلابتها و متحرش بكرامتها...و معرقل لمسيرتها الحياتية و الإنسانية... 

تحل الذكرى، و المرأة المغربية تواجه غلاء المعيشة و ارتفاع الأسعار، و شح الموارد و شيوع الريع والنهب و الاستغلال....و أمهات و زوجات و بنات و أبناء الكثير من معتقلي/معتقلات الرأي بكل البلاد العربية في معاناة يومية مع هم انتظار الإفراج و مقاساة ويلات التنقل و صعوبة تدبير الموارد المالية لإعالة الأسر.... 

و هانحن اليوم، في 8 مارس 2023، لازلنا مجرد رقم  في حسابات إحصائيات الوطن، و مجرد كثلة انتخابيةَ و مجرد حضور سياسي محتشم، في غياب تمكين حقيقي من القيادة المفعلة لإبراز قدراتنا و كفاءاتنا كنساء: فلحدود الساعة، لم تعرف مهنة المحاماة على سبيل المثال: نقيبات بالرغم مما أبانت عنه المحامية المغربية من باع و كفاءة و ضلوع في الترافع و الدفاع، كما لازالت واجهة الأمانة العامة لمختلف أحزابنا السياسية مؤثثة بذكَورية مطلقة بالرغم من تنظيرات التقدمية و الحداثة و شعارات المساواة و المناصفة المرفوعة داخل قوانينها الداخلية و الأساسية...اللهم استثناء الحزب الاشتراكي الموحد، الذي تقوده السيدة نبيلة منيب...نعم، تحل الذكرى التي ليست شرطا  للوقوف مع الذات و المحيط لاستقراء شفرات الخطابات المختلفة و المتباينة و المتناقضة، بين المطالبة بانعتاقها من عبودية المجتمع الأبيسي من منظور البطريركية الجاثمة على أنفاسها، القامعة لانطلاقتها الحقيقية نحو التغيير والإصلاح الفعلي لكل مجتمعاتنا العربية و الإسلامية، و بين نضالات نسائية ضعيفة، بحيث لا يتعدى سقف تعاطيها مع مستجدات الظروف و الأحداث و كم الجرائم المقترفة في حق المرأة من تعنيف، و استغلال و اتجار و قتل... الخ حدود الإحتجاج و  الشجب و التنديد لا غير...

فها نحن نستقبل سنة 2023،  بصاعقة أسفي المفجعة، بوفاة سيدة في مقتبل العمر، الشابة  سلمى الزيزي التي توفيت في 12 يناير 2023 و لم تتعد بعد 23 سنة من عمرها، حيث توفيت في ظروف غامضة و غريبة، و لازالت لحدود الساعة تحركاتنا كجمعيات نسائية جد جد محتشمة، ازاء الملف، اللهم بيان فيدرالية رابطة حقوق النساء  الذي أصدره مكتبها الجهوي بمراكش، في الوقت الذي لا يزال طلب والدها السيد مخلص الزيزي بإخراج الجثة من قبرها لتشريحها، للتأكد من طبيعة الوفاة، التي اكتنفتها الكثير من الملابسات الغريبة و طبعها الغموض المستفز و الذي يدفعنا كجمعيات نسائية، و كقطاعات نسائية بأحزابنا السياسية، رافضة للظلم و الباحثة عن الحقيقة، التكثل حول هذه القضايا للترافع عنها و فضح كل صيغ التسويف التي تطال مسطرات البحث و التحقيق فيها، للتعجيل بهما، تفاديا لذلك التباطؤ الذي يشوب ملفات كثيرة من هذا النوع، و الذي يحاول زرع الإحباط و اليأس لدى المطالبين بحق معرفة الحقيقة،  التي يبقى من حق الجميع الوصول إليها...و نحن نحرر هذه السطور نناشد رئاسة النيابة العامة بوطننا الحبيب، و الشرطة القضائية في شخص السيد المدير محمد الدخيسي بالدخول شخصيا لتعجيل مسطرة البحث التي انطلقت منذ تاريخ الوفاة و لم تتمكن من الحسم في القضية و لا حتى التجاوب مع مطالب والدها العادلة، في الوقت الذي تم فيه الحسم بصورة سريعة و قياسية بضبط خيوط ملابسات مقتل الشرطي الذي قتل و أحرقت جثته رحمة الله عليه، و هذا يعكس صورة ملموسة من التمييز الذي تحدثنا عنه سابقا في التعاطي مع الملفات المتعلقة بالمرأة، سواء في تعنيفها أو قتلها أو التحرش بها، و كأنها ليست كائن إنساني يستحق نفس حظوة التقدير و الإحترام و الإهتمام...خاصة اذا كانت حمولة الملف جد دسمة بمعطيات متناقضة تفضي الى كل تلك الأسئلة المشروعة و التي شغلت الأبوين و كل الرأي الوطني و الدولي، خصوصا و أن العالم أصبح قرية مصغرة بفضل وسائل التواصل الإجتماعي فاضحة و معرية لكل استهتار و تراخي قد يشوب كل الملفات المطروحة على العدالة..... 

نعم، تحل الذكرى و نحن نعيش أحداث إضراب المرسبين والمرسبات بامتحان مزاولة مهنة المحاماة بالمغرب، و ما شاب ذلك من خروقات، ليتبين لنا من خلال خرجات كل الشابات اللواتي نددن بكل ما سبق، أن صوت المرأة معادلة صعبة في ثورة التغيير و ليس عورة، كما شاءت له نظرة المجتمع التبخيسية أن يكون...

تحل الذكرى، و مافيا الإتجار بالبشر بتركيا و بالجنة الموعودة الكاذبة بالخليج و الدول الغربية تخترق عقول بناتنا التي في غالب الأحيان ما يستفقن على هول كوارث و مآسي وصلت حد التصفية الجسدية بدون رحمة... 

نعم، تحل الذكرى، و حقوق المرأة في المجتمع العربي و الإسلامي، تعرف نكوصا و تراجعا خطيرا بعودة المد الظلامي الذي لازالت علته المسرطنة، تنتشر بكل المجتمعات و التي لا تجد ضالتها إلا في المرأة، بتحويلها الى أداة متعة و وعاء ولادة للتكاثر فقط... و حال سوريا و اليمن و العراق و افغانستان يبعث أكثر من رسالة و  خطاب عن مال الوضع و كارثيته التي تستدعي أكثر من مواجهة و تصدي...تحل الذكرى، و المرأة الفلسطينية، تواجه يوميا تنكيل الكيان الاسرائيلي الغاصب بكل شجاعة و بسالة، بتضحياتها الذاتية و بفلذاتها، و لا تهاب في ذلك بطش و غطرسة الصهيونية التي تعدت حدود التصور بالاتها الاستيطانية الكاسحة و بظلمها الذي تواطأت معه جميع الدول بصمتها المريب و المعيب.... 

افيا نساء العالم اتحدن، لتتحقق العدالة و المساواة و المناصفة الفعلية بكل مراكز القرار، و لتسمعن صوتكن إلى كل العالم...!