،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
25 Jul
25Jul


  بقلم: المصطفى روض

اليسارية الراديكالية، يولاندا دياث، وزيرة العمل و الاقتصاد الاجتماعي في الحكومة الإسبانية، و النائبة الثانية لرئيسها بيدرو سانشيس، قامت بجولة في الولايات المتحدة، و هي تحرك، ما يجب تحريكه من عناصر لم الشمل لمكونات يسارية في أفق امتلاك اليسار التقدمي هويته و الاشتغال على إستراتيجية عمودها الفقري هو الاقتصاد الاجتماعي و شعارها الواقعي الذي حددت هدفه لتجسيد تلك الاستراتيجية هو  العدالة و الكرامة. 

و كانت محطتها الأولى، هيأة الأمم المتحدة التي شاركت في واحدة من أهم أعمالها المخصصة للتداول في الاقتصاد العالمي، حيث قالت دياث بوضوح "نريد المراهنة على الاقتصاد الاجتماعي كمحرك لنموذج اقتصادي  أكثر إنسانية و عدالة و استدامة"، معلنة أنه سيتم تقديم اقتراح قرار لمحاولة تعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في مجالات عمل الأمم المتحدة، وبالتالي ، فهي تسعى إلى إعطاء دفعة لنموذج الإنتاج هذا في المناطق المختلفة،  و هو ما يعطى الانطباع بأن المرأة لا تتحدث من فراغ  و إنما من فكر مستمد من اجتهاداتها الشخصية كيسارية متخصصة في المجال الاقتصادي، و كأيقونة نسائية تؤرق بحنكتها و صبرها و تكوينها الأكاديمي، كل رموز اليمين الإسباني الذين لا يرتاحون لصرامتها العلمية و لأسلوبها و هي تعمد سواء في جلسات البرلمان على دحض كل الافتراءات  السياسية حيث تصحح لهم معلوماتهم الخاطئة سواء في المفاهيم أو الاقتصاد أو التاريخ، بل أن حسادها يوجدون حتى في صف اليساريين بما فيهم قادة في حزب بوديموس. 

اليسارية دياث، التي شغلت منصب النائب الثاني في الحكومة الإسبانية، بعد أن استقال منه الزعيم السابق، بابلو إغليسياس، للمشاركة في الانتخابات الجهوية بغاية الظفر برئاسة حكومة مدريد  تم اختفى في الظل بعد هزيمته المدوية، تألقت بشكل مذهل، فاكتشف الجميع بما فيهم بيدرو شانسيش، أنهم أمام شخصية يسارية استثنائية غير مسلحة بالإيديولوجية بقدر ما هي مسلحة بالعلم كمعرفة  و العقلانية كمنهج للعمل، فضلا عن مراكمتها لتجربتها في العمل الإداري و القانوني و السياسي، و لذلك، و في ظرف قياسي وجيز، ترك عملها كوزيرة عمل محنكة مردودا مهما في عدة مشاريع تفاعل معها بإيجابية المراقبون الموضوعيون و ممثلو النقابات، و صارت إيقونة داخل الحكومة الإسبانية، و هناك من يشهد بتفوق شخصيتها على شخصية رئيس الحكومة بيدرو سانشيس نظرا لأنها تشكل قوة اقتراحية استثنائية، و هناك كثيرون يقترحون بأن تصبح هي الزعيم الأول لحزب بوديموس، و هو أمر يزعج بابلو إغليسياس الذي يفضل بدلها  أن تكون زوجته مونيديرو التي تشغل منصب وزيرة المساواة في الحكومة. 



و هي تزور الولايات المتحدة للمشاركة في نشاط بهيأة الأمم المتحدة رفقة العديد من وزراء بلدان تشاركهم هموم التحولات الاجتماعية و الاقتصادية و الباحثون عن آفاق تضمن البدائل لخروج شعوبهم من مشكلات الفقر، و سوء التغذية، و تدهور الأوضاع الاجتماعية، و بناء اقتصاديات قوية و سليمة و محاربة الفساد، و وجود حلول لمعضلات البيئة و على رأسها التغيرات المناخية، فكرت دياث في أن تبحث لها في الساحة الأمريكية عن ممكنات تطوير اليسار من خلال تحالفات و استثمار مقترحات لأفكار قابلة لتفعيلها في الواقع بغاية الخروج بحلول يتجاوز بها اليسار تشرذمه و انشطاره ليشكل قوة حقيقية انطلاقا من تلك الساحة التي هي مركز الامبريالية الامريكية. 

و أجمل ما قالت في هذا السياق، و هي تكشف عن مبادرتها تلك، بعد زيارتها و لقائها لممثلي نقابات الشركة الكبرى "أمازون" و قطاع مقاهي "ستارباك": "إذا كان بيدرو سانشيس قد فضل العام الماضي اللقاء مع المقاولات في أمريكا، فأنا أفضل اللقاء مع النقابات الجديدة". 

و بالفعل، كان لديها عمل مكثف وفق أجندتها، ضربت على أساسه عصفورين بحجر، و أدت من خلاله مهمتها الرسمية كوزيرة للاقتصاد، و في نفس الوقت، حركت الساحة اليسارية في أمريكا بلقاءات مهمة، كان أبرزها اللقاء الذي جمعها مع أيقونة اليسار الأمريكي بيرني ساندرز، و هو سيناتور مستقل، حيث بحثت معه إمكانية إقامة تحالفات دولية و اتفقا على تنظيم اجتماعات مستقبلية لبلورة أفكارهما في سياق فكرة التحالفات الدولية و لاقتراح برنامج عمل و اختيار آلية لتفعيل البرنامج المأمول. 

و دياث، حسب مصادر إعلامية إسبانية، متشبثة بفكرة تقول بأنها اقتبستها من المفكر الاقتصادي بول كروغمان و هي أن الاقتصاد الاجتماعي يجعل من الممكن مكافحة عدم المساواة، و في ذات الوقت، هو "أداة و أفق للتفكير في عالم أكثر عدالة و إنصافا"، إذ  حصلت على دعم مختلف الوفود التي شاركت في أشغال هيأة الأمم المتحدة،  لكل ما طرحته من أفكار و مقترحات، و هم يستمعون لها باهتمام شديد، خصوصا تلك الوفود التي تمثل بلدان مثل التشيلي، المكسيك، البرتغال، الأرجنتين، إيطاليا. 

و هذا الدعم غمرها بحالة اطمئنان و ابتهاج جعلها تقول: "لدينا الإرادة و التحالفات و الذكاء الفردي و الجماعي لكي يكون لعملنا نتائج ناجحة. 



اليسارية دياث، لا شك أن لديها مستقبل رائد و ستكون أداة حقيقية في بناء اليسار الإسباني على أسس موضوعية بعيدا عن شعبوية بابلو إغليسياس و خطاباته الثورجية التي تفيده في البرامج التلفزيونية حيث يكون للكلام الإيديولوجي مساحة أكبر التي تبعد مسافة كبيرة عن خطابات النضج السياسي الأكاديمي. 

و تعريفا بهذه الشخصية اليسارية المنتمية، نشير وفقا للمعلومات التي سبق أن استقيناها من بوابة وزارتها، أنها ولدت في مدينة "لاكورونيا"، عاصمة إقليم غاليسيا، عام 1971، خريجة كلية القانون و الاقتصاد، و أكملت دراستها العليا في مجالات القانون الحضري و التخطيط الإقليمي و الموارد البشرية، كما أجرت تدريبا تكميليا في مجالات الضمان الاجتماعي و التعاقد العمالي و الإدارة و السلطة السياسية و النوع الاجتماعي. 

و اكتسبت تجربة مهمة من خلال تعاونها مع العديد من مكاتب المحاماة حتى تمكنت من التوفر على مكتبها الخاص لمزاولة المهنة كمحامية، ما جعلها تدافع مهنيا على قضايا العمال و النساء، و كانت، في ذات الوقت، مستشارة لعمال الصيد. 

و فضلا عن ذلك، راكمت تجربة هامة في عمل المجالس البلدية و مجلس المدينة.

و هي اليوم المحرك الفعلي للاقتصاد الوطني و منقدته من كل ما ورثته حكومة بيدرو سانشيس من السياسات الاقتصادية لحكومة راخوي اليمينية، عاملة ما امكن على انتشال كل ترسبات الليبيرالية المتوحشة للدفع به نحو اقتصاد اجتماعي يقلص الفوارق الاجتماعية و يخرج الفئات المهمشة من دائرة التهميش و ينمي قدرات العمال في تدبير إنتاجيتهم بضمان حقوقهم في أفق استدامتها بالتوازي مع الكرامة و العدالة.