،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
20 Jan
20Jan


بقلم: المصطفى روض

لم يبق لرئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، أية وسيلة يعتمدها للدفاع عن قضية الشعب الفلسطيني و مواجهة سياسات العدو الصهيوني المحتل سوى لغة استجداء الولايات المتحدة الأمريكية لكي تتدخل و تحمي فلسطين من الجرائم و من إضاعة فرص السلام و من الاعتداءات المتكررة بما فيها إقامة المستوطنات و قتل الفلسطينيين!؟ 

و عبر عباس عن هذا الاستجداء الذي لا يرضي قوى حركة التحرر الوطني الفلسطينية التي وجدت لترفع سياسيا راية تحدي الكرامة الوطنية و لتحمي شعبها من أي إذلال كان نوعه خصوصا في العلاقة مع الولايات المتحدة التي يعرف كل فلسطيني مهما كان مستوى وعيه و الجيل الذي ينتمي إليه، أنها الدولة الامبريالية التي تحمي إسرائيل صباح مساء و تدعمها بالمال و السلاح و التكنولوجيا، و بهذه الوسائل تزهق إسرائيل أرواح الفلسطينيين باستمرار و أمام أعين هذه الدولة الامبريالية التي يستجديها محمود عباس الجالس على كرسي رئاسة السلطة الفلسطينية و هو الذي كان يعرف سابقا في زمن الريادة النضالية لحركة فتح، يوم كان عرفات على قيد الحياة قبل أن تسممه إسرائيل بتواطؤ مع الخونة، أن وظيفة الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة و في الأراضي الفلسطينية بالذات هي الدعم المطلق للعدو الصهيوني بما هو خادم لإستراتيجيتها السياسية و الاقتصادية و أن دورها المزعوم كراعية للسلام لا ينطلي على قوى الحرية و التقدم في العالم و في المنطقة العربية. 



و لكن المفارقة الغريبة أنها تنطلي على قادة خانوا العهد و رموا ببرنامج التحرر الوطني في مكب إسرائيل مثل محمود عباس بعد أن اختار لغة الاستجداء، و هو لا يستجدي القوى الوطنية و التقدمية أو بعض الدول التي تحترم نفسها، إنه يستجدي الدولة التي تحمي الكيان الصهيوني من أية مقاومة فلسطينية أو غير فلسطينية، و تأخذ الحماية الأمريكية للعدو الصهيوني عدة أشكال، ليس محصورة فقط في المال الكثير و الأسلحة الفتاكة، و إنما  الحماية السياسية عبر المنتديات الدولية للتأثير على مواقف البلدان في الساحة الدولية لفائدة المصلحة الإسرائيلية، فضلا عن سلاح الفيتو المستخدم من قبلها في الأمم المتحدة كلما تعلق الأمر بمناقشة الاعتداءات الصهيونية على الشعب الفلسطيني و  الاستمرار في احتلال أراضيه و إقامة المزيد من المستوطنات و الرفض المطلق لعودة المهاجرين الفلسطينيين إلى مناطقهم الأصلية. 

و لغة الاستجداء التي اعتمدها رئيس السلطة الفلسطينية في المحادثات مع مستشار الأمن القومي الأمريكي، جاك سوليفان، بمقر الرئاسة الفلسطينية برام الله، يعطي الدليل القاطع على المنحدر السياسي الذي سقط فيه محمود عباسن غير عابئ بالتجربة المريرة لمسار العلاقة الإسرائيلية - الفلسطينية و التي كانت فيها المعضلة الأساسية هي أمريكا التي تسمي نفسها راعية السلام في الشرق الأوسط و هي في الحقيقة راعية للمصالح الاستعمارية للدولة الصهيونية. 

كيف يتخلى محمود عباس عن لغة منظمة التحرير الفلسطينية و عن مواقفها و رؤيتها لإستراتيجية الدعم الأمريكي و التي لم تنطل عليها يوما ما خطاب التعهدات الأمريكية  بالعمل على إيجاد حل للقضية الفلسطينية و إحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط، لأنها مجرد خطابات تكتيكية موغلة في المناورة و تتم بتنسيق أمريكي إسرائيلي لربح المزيد من الوقت؟ 



لغة الاستجداء لدى محمود عباس الموجهة للأمريكيين حماة الدولة الصهيونية تثير الشفقة، لكنها في نفس الوقت، تعري على منطق زعامات آخر زمن منذ أن أعلن بصريح العبارة تنصله من الكفاح المسلح الذي هو حق أساسي لكل شعب احتلت أراضيه، و منذ أن استهزأ ، كذلك، بالانتفاضة الفلسطينية، فهو لا يريد لا مقاومة مدنية على شكل انتفاضة سلمية يكون سلاحها محصورا في الحجارة للدفاع عن النفس و لا كفاحا مسلحا تخوضه فصائل الثورة الفلسطينية لتحرير الأراضي الفلسطينية على قاعدة الوحدة الوطنية الفلسطينية الجامعة و المسلحة ببرنامج التحرر الوطني في أفق بناء الدولة الوطنية الفلسطينية عاصمتها القدس. 


إذن ماذا يريد رئيس السلطة الفلسطينية؟ كل ما يريده هو البقاء رئيسا دائما على السلطة مسلحا بلغة استجداء الدولة الامبريالية رغم أن لا شرعية له في الاستمرار رئيسا على السلطة الفلسطينية منذ عدة سنوات. و حتى عندما حان وقت الانتخابات الرئاسية و التشريعية قام و بتنسيق مع أجهزة العدو الصهيوني للحيلولة دون إجرائها، فيما علاقته بإسرائيل محكومة بالتفاعل معها على أساس اتفاقيات أوسلو التي تجبره على التنسيق مع أجهزتها الأمنية سواء لمراقبة ما يهدد الاحتلال الإسرائيلي من عمليات فدائية و أنشطة سياسية في إطار الدفع بالنضال الفلسطيني الشعبي نحو التصعيد و تحصين إرادة الشعب الفلسطيني من الضربات الصهيونية لإضعافه. 

و الغريب في الأمر، هو ما قاله محمود عباس لمستشار الأمن القومي الأمريكي بعد أن عرض عليه سردية المستجدات الراهنة و ما ترتكبه إسرائيل من إجراءات و جرائم في حق الفلسطينيين، حيث قال له بالحرف: "لن نقبل باستمرار هذه الجرائم الإسرائيلية و سنتصدى لها و سندافع عن حقوق شعبنا و أراضينا و مقدساتنا". و لكن هذا التعبير فيما قاله عباس يضعه أمام تناقض صارخ، و الممثل الأمريكي يعرف أن عباس لا حول و لا قوة له في أساليب الدفاع عن الشعب الفلسطيني، و الأمريكيون مقتنعون أنه زعيم من ورق منافعه في التدبير السياسي تخدم الاحتلال الصهيوني بما يشكله  ذلك التدبير من إعاقة لكل مبادرات الوحدة الوطنية الفلسطينية و إفشال الحراكات الاجتماعية و قمع النشطاء و المعارضين السياسيين و المثقفين الذين يعانون من قمع السلطة لهم و ما تتسببه لبعضهم لدرجة قامت بقتل الناشط الفلسطيني البارز نزار بنات بطريقة موغلة في التوحش كانت كافية لإسقاط الرئيس و محاكمته.