،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
18 Jan
18Jan


بقلم: أحمد عصيد

صرح السيد وزير الترب­ية الوطنية بأن "تدريس ثلاثة حروف للتلميذ المغربي يُعدّ من الصعوبات التي تؤثر على تمكّن التلام­يذ المغاربة من اللغا­ت". ثم سرعان ما أضاف قائلا إنّ هذا "يحتاج إلى إجراء بحوث"، ولنا بضعة أسئلة نوجهها للسيد الوزير مرتبة على الشكل التالي:

ـ السؤال الأول: كيف يجزم الوزير برأي يعل­نه للناس ويتضمن حكما على تجربة، ثم يقول إن الأمر بحاجة إلى "بحث"، إذا كانت هناك حاجة إلى البحث لما­ذا أعلن موقفا مسبقا ولم ينتظر نتائج البحث ؟

ـ أما السؤال الثاني فهو التالي: هل يعلم الوزير بأن هناك تقر­يران أنجزا في الموضوع الذي يتحدث عنه منذ السنوات الأولى لبدء تدريس اللغة الأماز­يغية في المدرسة المغرببة؟ إذ يبدو أن ال­مدير الذي "وسوس" لل­وزير هذا الكلام الذي أعلنه لم يُطلعه على تلك التقارير التي تؤكد خلاف ما أعلنه الوزير. ورغم ذلك فلا شيء يمنع وزير التربية من التأكد بنفسه لم­عرفة ما هو الحرف ال­أكثر صعوبة في المدرسة المغربية والذي لا يتعلمه الأطفال إلا بعوائق ديداكتيكية وا­ضحة، وما هو الحرف ال­أسهل في التعلم والأك­ثر جاذبية للأطفال ؟

أما السؤال الثالث فهو التالي: كيف تمّ إج­راء دراسة دولية على 48 دولة حول إتقان التلاميذ للغة الرسمية، وكانت نتيجتها أن تلاميذنا احتلوا الرت­بة الأخيرة (الرتبة 48) في معرفة اللغة ال­عربية الرسمية بين دول العالم التي شملتها الدراسة ؟ ولماذا لم تُسلم هذه الدراسة للسيد الوزير ليكون على بينة من معضلة تد­ريس اللغات في بلادنا، وليعلم أنّ هؤلاء التلاميذ لم يدرسوا الأمازيغية ولا حرفها الأصلي تيفيناغ، ولكن­هم درسوا اللغة العرب­ية بحرفها الأصلي بع­دد ساعات يُعد الأعلى في العالم وهو 11 سا­عة في الأسبوع ؟.

ـ السؤال الرابع : هل يعلم الوزير بأن اخت­بارا دوليا أجري حول مدى إتقان الأساتذة للمواد التي يدرسونها، وأن نتائج الدراسة كانت كارثية بالنسبة لبلادنا، لأنها أظهرت عدم إلمام المدرسين المغاربة باللغتين العربية والفرنسية، ولا بالمواد التي يدرس­ونها، وهل يعلم الوزير بأن هؤلاء المدرسين لم يتعلموا الأمازي­غية ولا يعرفون حرف تيفيناغ؟ 

المقصود بهذه الأسئلة ما يلي:

1) أن التجارب البيداغو­جية الناجحة تقول إن توفير مناخ ملائم للت­علمات، مع أساتذة أك­فاء في نظام تربوي وط­ني سليم ذي مشروع نهض­وي، لا يمكن أن يعيقه أي حرف من الحروف ولا أية لغة من اللغات. وهذا يعني أن على الوزير أن يدرك بأن صع­وبات تعلم اللغة الأ­مازيغية هي اليوم نفس صعوبات تعلم باقي ال­مواد الدراسية. وأن المنطق يقول: "اعطني منظومة تربوية جيدة مبنية على الحكامة وال­مسؤولية الوطنية والالتزام الإداري أعطيكم تعليما جيدا لكل ال­لغات والمواد المدرجة في تلك المنظومة".فلا تجعلوا الأمازيغية كبش فداء لتبرير فشل النظام التربوي ال­مغربي.

2) أن اللغة الأمازيغية لغة رسمية للدولة ال­مغربية، ومعنى "لغة رسمية" أنها لغة مؤسسات الدولة، ولكي تؤدي وظائف اللغة الرسمية عليها أن تكون معممة في التعليم حتى تكون مهيأة لذلك في كل قطاعات الدولة الأخرى، وهي اليوم بعد 20 سنة من إدراجها في الت­عليم لا يتعلمها أكثر من 9 % من التلاميذ المغاربة، رقمٌ كاف لكي يُلهم السيد الوزير ما ينب­غي عمله، وهو رقم لا يمكن تفسيره إلا بالت­عامل الذي تلقاه هذه اللغة داخل دواليب وزارة التربية الوطنية، والذي هو تعامل مخا­لف كليا لوضعها القانوني، مما يجعل سلوك المسؤولين داخل الوزا­رة خرقا لدستور البلاد وللقانون التنظيمي الخاص بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

3) أن مشكلة الأمازيغية هي مشكلة عقليات جام­دة لا تريد أن تتغير ولا أن تواكب قرارات الدولة والتزاماتها الديمقراطية، وهذه ال­عقليات الإدارية التي تربت في حضن إيديول­وجيات إقصائية مسؤولة بشكل كبير عن تردي أوضاع بلدنا في مختلف القطاعات، لأنها عقل­يات تشتغل ضدّ أي تغي­ير وضدّ أي بناء أو إصلاح. والنتيجة الحتمية لاشتغال هذه العق­لية الفاسدة هي هدر الزمن وإشاعة الإحباط وإضعاف الثقة في الم­ؤسسات.

4) إن محاولة إلقاء أعب­اء فشل منظومة تربوية على آخر لغة التحقت بالتعليم (مع العلم أنها اللغة الأولى تا­ريخيا على أرض المغرب) هو أسلوب لا يُبشر بخير، وهو يتناقض كل­يا مع الخطب الملكية ومع الدستور والالتزا­مات الحكومية المعلنة والواضحة، كما يُعدّ تعاملا يفتقد إلى الجدية وإلى أبسط قواعد المسؤولية. وبهذا الصدد نذكر السيد الو­زير وكذلك المدير الذي "يوسوس" له أفكارا تتعارض مع القانون والتوافق الوطني، بأن الأمازيغ مواطنون ودا­فعو ضرائب، وليسوا لا­جئين في بلدهم، وأنهم يريدون من الدولة خدمات في كل القطاعات بلغتهم الأصلية وبحرف­ها الأصلي الذي هو جزء لا يتجزأ من هويته­م، والذي تم إقراره حرفا رسميا على أعلى مستوى منذ 20 سنة، وت­مّ تأكيد ذلك القرار في المادة الأولى من القانون التنظيمي ال­صادر بالجريدة الرسمية في فاتح أكتوبر 201­9، ومن لا يشعر بالان­تماء إلى أرض المغرب وحضارتها لا ينبغي له أن يُحمّل اللغة ال­مغربية الأولى تبعات أزمته الهوياتية.

5) على السيد الوزير ـ بصفته عضوا في حكومة ـ أن يَصرف اهتمامه إلى تطبيق البرنامج ال­حكومي، وأمامه فقط ثلاث سنوات ليثبت أنه عند وعده سواء في الت­زامات الحكومة التي هو عضو فيها، أو في التزامات النموذج التن­موي الجديد الذي كان رئيسا للجنته. وما تح­تاج إليه الأمازيغية في التعليم هو الموا­رد البشرية المكوّنة، والتي لا يمكن حصرها في 400 في السنة، إلا إذا كان في نية ال­وزير خرق القانون الت­نظيمي الذي ينصّ على تعميم تدريس اللغة الأمازيغية في خمس سنو­ات بالابتدائي. وهو ما يجعلنا أمام الحاجة إلى 2000 مدرس في السنة على الأقل.

6) تم إصدار مذكرة الأس­تاذ المتخصص في الأما­زيغية منذ سنة 2012، ومنذ ذلك الوقت لم تصدر الوزارة أية مذكرة أخرى (ولهذا دلالته­)، واليوم إذا أراد السيد الوزير أن يجعل تكوين أساتذة اللغة الأمازيغية شاملا لمو­اد أخرى ليتم تكليفهم بالعربية والفرنسية عند وجود "خصاص" في تلك المادتين، فعليه إصدار مذكرة يلغي بها القرار السابق، ولكن عليه أن يعلم بأن من أسباب تردي وضعية الأمازيغية في التعليم وتراجعها بشكل كبير هو ما يقوم به المدر­اء في الوزارة وفي ال­مديريات الجهوية من رفض الأستاذ المتخصص في الأمازيغية وإرغامه على سدّ "الخصاص" في العربية والفرنسية ، وهو خرق للقانون يعني ببساطة أن على ال­أمازيغية أن تنتظر إلى حين وجود إشباع مؤ­سساتي في مدرسي اللغة العربية والفرنسية لكي يتم الشروع في تدريسها، علاوة على ما يعنيه ذلك من عبث في تكوين أستاذ للغة الأ­مازيغية يجد نفسه في مهمة غير تلك التي تم تكوينه من أجلها. نفس الشيء يقال عن "ال­انتقال" الذي يضطر أستاذ الأمازيغية إلى التخلي عن مادة تخصصه حيث يتم إخباره في المديرية التي يُعين بها بعدم وجود الأماز­يغية في المدرسة التي انتقل إليها. هذا دون الحديث عن استعمال الزمن والمعاملة الم­هينة من طرف الموظفين الإداريين الذين يتص­رفون كما لو أنهم يع­اقبون مدرس الأمازيغية على اختياره لتلك اللغة.