،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
17 Sep
17Sep


بقلم: نجاة زين الدين

ما من شك بأن كارثة الزلزال التي ضربت المغرب ستبقى موشومة بالذاكرة التاريخية لكل الوطن، بل ستكون درسا يدون في صفحات مقرراتنا الدراسية، ليلقن لأبناءنا و حفدتنا، و لكل المجتمع الدولي، ظروفه و ملابساته و كذلك حكمه و عظاته...و سيقر ذات الدرس تأريخا لمغرب ما قبل الزلزال و لما بعده، بل سيساهم حتما في تغيير ملامح و وجوه الكثيرين ممن تحركوا دوما في الخفاء قبل العلن لعرقلة الثورة على السائد و الحديث عن بؤس ضحايا الزلزال قبل وقوعه و أموات تلك القرى و هم أحياء من خلال طي و إتلاف تغطيات تشريحية لمأساة تلك الدواوير المنكوبة، التي كانت محسوبة على الإنتماء للبلاد كجماهير و كثلة إنتخابية فقط، على غرار الكثير من الدواوير و الجهات بكل البلاد، تغطيات لم تر النور و أعدمت قبل نشرها لكي لا تعري حقيقة الظلم و الإستغلال و الحيف الذي يطالها، بل رفض الإطلاع عليها، مما فاقم الوضع و زاده بؤسا و دمارا و سهل مأمورية إقبار هذه الدواوير بسبب تلك الهشاشة الإقتصادية و الإجتماعية التي كانت تئن تحتها بدون رحمة و لا إنصات من من يتحكمون في الرقاب ويقررون مصيرها في غياب تام لأسس الديمقراطية الحقة، التي تؤله المصلحة العامة بتسييد الضمير الجمعي و التفكير في تنمية البلاد و تطوير المستوى المعيشي للعباد، بتحفيز الإرادات الطموحة و تشجيع الكفاءات...و لأننا نتوخى دائما التغيير الإيجابي الذي يبتغي تجاوز كل الإكراهات و يمتثل للقاعدة القانونية التي تسمو على كل الإعتبارات الذاتية بوضع كل المواطنين سواسية أمامها دون أي تقصير أو تمييز، و دون أي إستهتار أو تراخي في تحمل المسؤوليات، مع الإنضباط لما تستدعيه المرحلة من إستنفار لكل المجهودات للعبور إلى بر الأمان و كلنا أمل في خير  القادم من الأيام لأن من وليناهم أمرنا، على ما أظن قد استخلصوا العبرة و اتعظوا من وقع الصاعقة، التي فر منها الجميع حافي القدمين و لم تنفعه عندها أمواله و لم تحميه قصوره و بناياته...

و بالرغم من حجم الكارثة، و قوة صفعة الصاعقة، إستفاقت الإنسانية فينا و انتصرت بعدما كانت ترتع في سباة الفساد و اللامبالاة و الأنانية و الإنتهازية، فكثيرا ما تساءلت في مقالاتي السابقة ب: متى ستنتصر الإنسانية فينا من الإنسان و للإنسان أينما وجد، مهما كان معتقده و إيديولوجيته و مكانته الإجتماعية...

اليوم، سطر المغاربة بتآزرهم و دعمهم الفريد لبعضهم البعض، ملحمة تاريخية لن تنساها الذاكرة الجمعية للوطن و لكل المجتمع الدولي الذي انبهر بتفاعلهم الإنساني المنقطع النظير داخل الوطن و خارجه، بل ستؤجج حماسة الإنصهار الإيجابي مستقبلا مع كل القضايا الإنسانية عموما و مع وضع تلك الدواوير المتواجدة بمغربنا العميق المنسي، المقصي و المهمش بكل الخريطة الوطنية من طنجة إلى الكويرة بدون إستثناء...

إنها صفحة جديدة شاءت لها الأقدار أن تكتب فوق أنقاض كل البيوت المردومة و كل الجثت سواء تلك التي انتشلت أو تلك التي لازالت تحت أطلال هدم الكارثة، هاته الأخيرة التي تباينت تأويلات و تفسيرات وقائعها بين متحدث عن سخط و غضب إلاهي و عن مفسر علمي للحركات الجيولوجية التكتونية لحركة الكواكب و بين من ذهب إلى حد توجيه أصابع الإتهام للنظام العالمي الإمبريالي الأحادي الذي لا يدخر جهدا في إحداث الكوارث و زرع الفيروسات و الأوبئة للقضاء على الإنسان بغية تخفيض ساكنة المعمورة، و الحد من حجم النمو الديمغرافي الذي بدأ يشكل فزاعة تهدد مصالحه الوصولية، و التي إعتادت على تلك الأريحية و الإستمتاع بذلك التمييز العنصري السامي، من خلال التحكم في التسيير الإقتصادي و السياسي لمجموع الخريطة العالمية...

ونحن الآن، بين هرج كل هذه المعطيات و صخب كل هذه الكوارث المتعاقبة، و بين تحليل مفصل لأبسط المؤشرات، نحرص على أن نكون دقيقين في تعليل المسببات الحقيقية  بصورة منطقية و واقعية و عقلانية، في زمن إختلطت علينا فيه الأوراق و تعذرت علينا سبل الحقيقة المطلقة بسبب تعدد منابر هذه التحليلات التي كثيرا ما تقدم تفسيرات غريبة و ميتافزيقية خدمة لأجندات معينة و محددة مسبقا ببرمجة منطق التحكم الأحادي و لاشيء غير ذلك...

بالفعل، المرحلة الآنية، مرحلة مفصلية و حاسمة للكثيييير من المسلمات، التي وجد الشعب المغربي نفسه مرغما على تقبلها و الإنصياع لها في المرحلة ماقبل الزلزال، بحيث تمكنا حاليا بعد وقوع هذا الأخير من إبراز قدراتنا من حسنا الإنساني، الذي إستوقف أنفاس العالم برمته  من خلال الإعتماد على أنفسنا لتحقيق جزء يسير من دولة القيم و التمثلات الأخلاقية، التي لطالما تمنينا تشكلها ليكون صلب إهتمامها الجوهري و  الأساسي: الإنسان ثم الإنسان ثم الإنسان...و قد إتضح ذلك من حجم التبرعات التي أغرقت المنطقة...و التي كان فيها المواطنون البسطاء أبطالا بإمتياز في الوقت الذي غاب فيه عن الحضور من تحملوا واحسرتاه مسؤولية تدبير شأننا العام و الدفاع عنا في كل الظروف...بل تكولسوا في مكان ما و اكتفوا بمراقبة سيناريو فيلم عنوانه: "التضحية و الإيثار"، كان المغربي و المغربية على حد سواء أبطاله، دون كاستينغ و لا ماكياج، فتم تصوير أحداثه بدون جنيريك مسبق، و بكل عفوية خالصة، و سجية صادقة...

نعم، لقد جسد هذا التلاحم الإستثنائي قوة المغرب الداخلية و لوح للغرب و للعالم بأسره برسالة قوية مفادها: نحن شعب لا يقهر و لا يعرف المستحيل و من قطرات القليل نصنع أنهارا من العطاء الكثير و سيولا من الخيرات بكل سخاء، تضحيات بسيطة قد ترمم ما أتلفه الفاسدون و الدهر فينا، و تصحح سياق الإحباط و اليأس الذي نفثه إنتهازيو و وصوليو الكراسي فينا، لأننا شعب يبكي لبؤس الآخر و لا يقبل الظلم بين ثناياه، نحن شعب يصنع ضمادات من جراحه ليداويها و ليعاود الكفاح و المسير، نحن شعب لو أتيحت له فقط فرص للتكوين الجاد و الهادف و العادل لصنعنا المعجزات...و نحن شعب لو حظينا بتلك العناية اللازمة لقهرنا الفقر و لما استسلمنا لليأس الذي يسبح فيه شبابنا، هذا الأخير الذي يفضل السواد الأعظم منه المقامرة بحياته عبر المحيط الأطلسي و البحر الأبيض المتوسط لتغيير وضع أزمته و لما عرفنا لتلك المغامرة سبيلا...نحن شعب لو لم يحطم بالحشيش و كل السموم المخدرة القاتلة لجعلنا من موقعنا الجغرافي قبلة لتلقين الدروس لكل أولئك الذين إعتادوا على إستغلالنا و نهب خيراتنا و الإستعلاء علينا...و محاولة فرض سيطرتهم علينا...نحن شعب لو نلنا حظوتنا من ثروات بلادنا و انصفنا كما ينبغي لنا وجد بيننا بئيس و لا كادح و لا مشرد...

،فيا مسؤولينا تذكروا دائما أن الشعب المغربي، شعب الملاحم، فهو من كان بطل المسيرة الخضراء في عهد الملك الراحل الحسن الثاني و هو من أعطى في زلزال الحوز و تارودانت في عهد الملك محمد السادس درسا لن ينساه التاريخ مهما دبر وحيك و قيل...و تذكروا كذلك أنه بالقليل من الإهتمام بهذا الشعب ستصنعون وطنا قاهرا لكل الأزمان و ستنتصرون للإنسانية فيكم و فينا...و سنجعل من وطننا الغالي أحسن  و أجمل وطن...