،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
02 May
02May


بقلم: سعيد الكحل

يقول المثل الشعبي "مع من شتك بمن شبّهتك". هذا حال فرنسا، التي بقدّها وقديدها تركب موجة الافتراء والتضليل أسوة بما يفعله أعداء المغرب، فتخرق أخلاقيات مهنة الإعلام دون أدنى حس بالمسؤولية الأدبية أو السياسية أو الأخلاقية، وهي توجّه إعلامها إلى قلب الحقائق فيما يتعلق باحتفالات فاتح ماي بالمغرب. ذلك أن حقدها على المغرب بسبب قراره التعامل بكل ندية مع قصر الإليزيه فيما يتعلق بالمصالح العليا للوطن وحرصه على استقلال قراره السياسي، أعماها عن نشر الحقيقة بخصوص تظاهرات فاتح ماي بكل المدن المغربية، والتي تميزت بتنظيم أمني محكم حافظ على سلمية التظاهرات بالرغم من تعدد النقابات واختلاف انتماءاتها الحزبية والإيديولوجية ومواقفها المتباينة من الحكومة (موالاة ومعارضة). فالإعلام الفرنسي تعمّد نشر خبر احتفالات النقابات المغربية بفاتح ماي ضمن ركن " الحرب والصراعات" في محاولة بئيسة ومغرضة لإيهام الرأي العام الفرنسي بأن تظاهرة فاتح ماي بالمغرب تحولت إلى "انتفاضة" و"صراع" مفتوح ضد الحكومة تتخلله "أعمال العنف". بينما نشرت احتجاجات النقابات الفرنسية التي وحّدها الموقف المعارض لنظام التقاعد الذي فرضه الرئيس ماكرون على الفرنسيين، ضمن ركن "المجتمع المدني وحياة المجتمع"، كما لو أنها احتجاجات مرت في ظروف أمنية عادية ولم تتخللها اعتداءات رجال الأمن على المحتجين في يوم عيد العمال. إن هذا العمل اللاأخلاقي الذي تعمدته الصحافة الفرنسية يروم التشهير بالسلطات المغربية وتصوير المغرب كأنه بلد "حرب" و"صراعات"، في الوقت الذي تعرف فيه شوارع فرنسا، وعلى مدى أكثر من ثلاثة أشهر، احتجاجات النقابات واعتداءات البوليس على المحتجين بمختلف الوسائل ضدا على القانون وخرقا سافرا للحق في التظاهر. 

"رمتني بدائها وانسلّت". 

لم تخجل فرنسا وأجهزتها الأمنية والإعلامية وهي تقلب الحقيقة فيما يتعلق بطبيعة التظاهرات وظروف تنظيمها في كل من المغرب وفرنسا. فالإعلام الدولي تابع التظاهرات في المغرب والمظاهرات في فرنسا ونشر تقارير مكتوبة ومشاهد مصورة تعكس مستوى الانضباط والنظام بشوارع المغرب، مقابل عمليات سحل المحتجين وتعنيفهم في شوارع فرنسا. لقد تخلت السلطات الفرنسية عن شعارات الحرية والديمقراطية والحق في التظاهر، كما تخلت عن الطابع المدني للدولة الفرنسية لتتحول إلى دولة قمعية تلغي الحوار وتعطّله كوسيلة لحل الخلافات مع الفرقاء الاجتماعيين، وتتبنى، في المقابل، أسلوب العنف والاعتداء على المتظاهرين. مشاهد العنف هذه كان أحق بالإعلام الفرنسي أن ينشرها ضمن ركن "حرب وصراعات" حتى تظهر حقيقة فرنسا ومدى خرقها لمبادئ حقوق الإنسان واعتداء أجهزتها الأمينة على المحتجين. لكن الحقد الأعمى على المغرب ومؤسساته الدستورية والمدنية التي ترفض الخضوع للهيمنة والانصياع للابتزاز الفرنسيين، جعل السلطات الفرنسية تنسب العنف إلى المغرب، ومن ثم ترميه بما ليس فيه؛ فينطبق عليها المثل العربي "رمتني بدائها وانسلّت".

تنديد أممي بتعنيف المتظاهرين وبالعنصرية ضد المهاجرين. 

لم تفلح أكاذيب السلطات الفرنسية في إخفاء مظاهر العنف وأساليبه المستعملة ضد المحتجين والمتظاهرين عن منظمات حقوق الإنسان وأعضاء هيئة الأمم المتحدة الذين وجهوا انتقادات شديدة لطريقة تفريق المتظاهرين السلميين التي تتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان. فرنسا التي كانت تعطي الدروس لغيرها في مجال احترام حقوق الإنسان صارت محط انتقاد واسع من طرف أعضاء هيئة الأمم المتحدة بمن فيهم من كانت دولهم موضوع انتقاد مثل روسيا وإيران وتونس وجنوب إفريقيا. هكذا رُدّ كيدُ فرنسا في نحرها، وصارت متهمة من طرف السويد والنروج والدنمارك وأمريكا وبقية أعضاء الأمم المتحدة بالإفراط في استعمال القوة ضد المتظاهرين المطالبين بحقوقهم، والذين بدل محاورتهم لجأت إلى تعنيفهم. والجدير بالذكر هنا هو أن انتقاد الأمم المتحدة للسلطات الفرنسية لم يقتصر فقط على تعنيف المحتجين ضد نظام التقاعد، بل شمل مظاهر العنف الممنهج والعنصرية ودعاوى الكراهية ضد المهاجرين، خاصة المسلمين منهم. في هذا الإطار ندّدت البرازيل واليابان بـ”التنميط العنصري من جانب قوات الأمن”؛ كما دعت لوكسمبورغ باريس إلى “مراجعة سياستها على صعيد الحفاظ على النظام”، في حين طالبت ماليزيا بـ”معاقبة المسؤولين".

اسقاط شعار الجمهورية "حرية، مساواة، أخوة". 

لم تعد فرنسا مخْلصة لشعار "حرية، مساواة، أخوة" الذي ضحى من أجله الشعب الفرنسي، ونظّر له كبار مفكريها وفلاسفتها، بل جعلها "ماكرون" دولة استبدادية تقوم على العنصرية والاستغلال ومصادرة الحقوق والحريات. إذ سقطت دولة الحقوق والمؤسسات، فساد العنف والعنصرية بدل سيادة الحرية والمساواة. هكذا انقلب ماكرون على أفكار جون جاك روسو وخان مبادئه بأن جعل القوة صانعة الحق، خلافا لما قاله روسو "لنقر إذن بأن القوة لا تصنع الحق، وأننا لسنا ملزمين إلا بطاعة القوى المشروعة." بناء على هذه القولة وعلى أساليب الاستبداد التي اعتمدها ماكرون في فرض نظام التقاعد ومصادرة حق الاحتجاج، يكون ماكرون قد ناقض أسس العقد الاجتماعي التي تعطي المشروعية للحاكم وما تستلزمه من احترام كلي للتعاقد والميثاق والاتفاق.