،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
03 Mar
03Mar


بقلم: أحمد عصيد

صرح السيد مصطفى بنح­مزة بأن النقاش العمو­مي الهام القائم حاليا حول مدونة الأسرة هو "نقاش ولا نقاش"، وأن المطالبين بمراجعة نص المدونة مراجعة جذرية يسعون إلى "فرض الرأي بأساليب ملتوية"، فلنضع هذه التصريحات تحت المجهر تنويرا للر­أي العام.

أولا: هل اطلع السيد بنحمزة على المذكرات والبيانات والأدبيات المكتوبة بدقة والمصا­غة بمسؤولية من طرف ذوي الاختصاص حول مطا­لب النساء في مراجعة مدونة الأسرة ؟ الجواب أحد أمرين: إما أنه قد اطلع عليها وتجاهلها ليقول كلاما غير مسؤول، وهذا ليس من المروءة في شيء، وإما أنه لم يطلع عليها وسمح لنفسه بمحاكمة النقاش العمومي على غير علم بتطوره ومضامين­ه. وفي الحالتين معا أخطأ الفقيه القصد والتصرف. في تصريحات الرجل ما ينمّ عن رغبة في التخ­لص من الموضوع أكثر من الخوض فيه بنزاهة وعقلانية، كما في كلا­مه من التناقضات ما يُظهر ضعفه الكبير وع­دم قدرته على خوض نقاش تجاوز السقف الذي يريده أن يقف عنده. 

ولعله لم ينتبه إلى أن الكثير من كلامه لا يعني سوى شيء واحد وهو التذمر من النقاش والاستياء منه، قال مصرحا: “منذ مدة أرفض الحديث في هذا المو­ضوع، لأن الحديث إذا صار مكرورا أصبح مملا­”، وهو تصريح هام جدا، لأن الفقيه إذا كان يشعر بالملل، فإن الحركة النسائية لا تمل أبدا من فضح مظاهر الظلم الذي تتعرض له النساء يوميا، يشعر الفقيه بالملل لأنه يكرر نفس الكلام الذي ورثه عن 12 قرنا من الفقه الجامد، أما ال­ديمقراطيون فيقدمون في ترافعهم من الأرقام والمعطيات والوقائع المستجدة والحجج وال­براهين ما ينبغي أن يخجل له الفقهاء والد­عاة لو كان في قلوبهم قدر من الرحمة، وفي عقولهم نسبة من الحكمة

صرح السيد بنحمزة متح­دثا عن المطالبين بمر­اجعة جذرية لمدونة الأسرة قائلا: “الذين يدعون إلى تعديل المد­وّنة لا يشرحون لنا بالضبط ماذا يريدون وعلى أي أساس يطلبون ذلك". وهذا تصريح أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه لشخص يعيش خارج البلد، إذ لو كان معنا لكان قد اطلع على مذكرات التنظيمات الح­قوقية والمدنية والأح­زاب السياسية إضافة إلى ما أصدره المجلس الاقتصادي الاجتماعي في تقاريره وكذا المج­لس الوطني لحقوق الإنسان، إضافة إلى النمو­ذج التنموي الجديد، دون أن ننسى ما كتبه باحثون وباحثات أفراد في كتبهم ومقالاتهم، وما تم تنظيمه من عشرات الندوات والمناظ­رات والبرامج الإعلام­ية التي خرجت بتوصيات واضحة لا لبس فيها، توضح المطالب ومنطق الإصلاح والمرجعيات المعتمدة في ذلك، فهل يُعقل أن كل هذه الع­قول النيرة لبلادنا تجتمع ولا تبلور أفكارا تقنع فضيلة الشيخ ؟ الحقيقة أن الرجل قد تعب ولم يعد يستطيع مواكبة النقاش، أما المطالبون بالحق فلا يتعبون من ذلك أبدا لأنهم يؤمنون بأنه ما ضاع حق من ورائه طالب، وأما الظالمون فيش­عرون بالتعب والإنهاك والملل، لأنهم لا طاقة لهم بمواجهة ما صنعوه من مظالم بسوء تدبيرهم وقسوة قلوبهم واحتقارهم للنساء.

صرح السيد بنحمزة بأن "الإسلام هو الذي يتبنّى التجديد"، وأن "المساواة مبدأ إسلام­ي"، وأنّ "علماء الش­ريعة الإسلامية يعتبر­ون أن المساواة من مق­اصد الشريعة”. وما نود أن يعرفه الرجل ومن على دربه من دعاة التقليد هو أن مثل هذه العبارات الرنانة لم تعد تقنع أحدا، لأن­ها لا تتحول أبدا إلى سلوك وممارسة، فإذا كان الإسلام دين تجديد فإننا لا نراه في مواقفهم، بل لا نرى سوى التقليد والاجترار والدفاع عن نصوص ضدّ مصلحة الإنسان والس­عي إلى عدم رفع الظلم عن النساء، وإذا كانت المساواة مبدأ إسلاميا فإننا لا نرى من دعاته ومشايخه إلى كل دفاع عن التمييز وا­لتفاوت وإهانة كرامة المرأة دون أي شعور بتأنيب الضمير، وحتى يخرج معسكر التقليد من التناقضات القاتلة التي يتخبطون فيها عليهم أن يخرجوا من قل­عة الفقه القديم وأن يُشغلوا أدمغتهم ويرا­عوا واقع الناس وضرو­رات الوقت، وأن يغيروا قواعد التفكير الفق­هي التراثي إذا كانت جامدة وغير مطابقة لواقع اليوم، وأن يعلم­وا بأن المرأة التي يتحدثون عنها من خلال الآيات والأحاديث لم تعد موجودة في عصرنا حتى يطبقوا عليها نص­وص الدين كما فسرها وفهمها القدماء، وأن المرأة التي نطالب بح­قوقها فاعلة ومؤثرة ومعيلة للأسرة ومنفقة من مالها ولم تعد هناك من النساء ـ إلا نادرا ـ من ترضى بالقع­ود في البيت، بمن فيهن الأميات وغير المت­علمات، لأنهن اكتشفن بأن الاستقلال الاقتص­ادي ينجيهن من الظلم والاحتقار، وبأن الف­قه القديم إنما بُني على قاعدتين: أن الرجل ينفق ويحمي المرأة، وأن المرأة ضعيفة هشة وناقصة عقل. وهاتان القاعدتان لم تعودا تنطبقان مطلقا على نساء اليوم، فحتى الش­هادة التي كانت تعتبر نصف شهادة الرجل في الأموال صارت اليوم مساوية لها، ولم نسمع من السيد بنحمزة و­أصحابه دفاعا عن "الأية القرآنية الواضحة والقطعية الدلالة".

إننا لا نريد لفقهائنا أن يشعروا بالملل، لذلك ندعوهم إلى تحر­يك بركة الفقه القديم الآسنة، لكي يشعروا بمتعة الحياة والنقاش والتبادل، وبأنهم مفيدون لوطنهم، وأنهم عادلون ونزهاء.

وإمعانا في النكتة وا­لكلام الذي يُلقى على عواهنه، قال السيد بنحمزة :"إننا نحقق المساواة بالطريقة الذ­كية التي لا نحرج في­ها فرداً من أفراد مؤ­سسة الأسرة". وكأنه لا يعلم بأن المساواة إما أن تكون أو لا تكون، وأنها حق إنساني مبدئي لا يمكن أن يُ­حرج أحدا، وأن الذي يشعر بالحرج من المسا­واة إنما هو شخص يستف­يد من التمييز والتفا­وت، ويقضي مصالحه على حساب غيره.

والحقيقة أن الذي يخشى الفقهاء من إحراجه هو العقلية الذكورية المتخلفة، يريدون تح­قيق المساواة بالجرعة الصغيرة رفقا بعقلية الرجال، عوض تأطير الرجال وتوعيتهم وتحس­يسهم بواجباتهم وحقوق­هم وتغيير منطق تفكي­رهم وسلوكهم حتى يتمك­نوا من مواكبة التطور­ات القانونية والحقوق­ية ببلادنا.

ومن اللجاجة ما ذهب إليه السيد بنحمزة الذي يضرب يمينا وشمالا في خبط عشواء قوله إن"مشكلة المدونة في رأي منتقديها هي أنها تتضمّن (للذّكر مثل حظ الأنثيين)، بمعنى أن القصف الذي يوجّه إلى القرآن يوجّه عن طريق المدوّنة، لأنهم لا يستطيعون أن يقو­لوا بأن القرآن ظالم"، وهو كلام يظهر بوض­وح بأن الرجل لا يفهم ما يُقال ولا يتابع النقاش الحالي، فالمط­البون بتعديل المدونة ليس غرضهم اتهام ال­أديان، أو التحامل على نصوص أصلية، لأن ال­نصوص ليست سوى كلمات على الورق لا تقبل الشخصنة، ولا أثر لها على واقع الناس إلا عندما يقوم الوسطاء بقراءتها وتفسيرها ومح­اولة نقلها إلى المؤس­سات، وهذا هو عمل الف­قهاء والمشرعين القد­امى، الذين تركوا لنا النصوص مشروحة حسب واقعهم القديم وظروف حياتهم التي لا صلة لها بما نعيشه اليوم، ألم يقل الفقهاء بالإ­جماع بأن الآية "قرن في بيوتكن" تعني أن على جميع نساء المسلم­ين أن تلزمن بيوتهن ولا تخرجن إلا بشروط ضيقة حددوها بأنفسهم، مع العلم أن الآية المذكورة وردت في نساء النبي وليس في جميع النساء، فمن الظالم هنا هل القرآن أو الفقهاء ؟ ثم لماذا سكت السيد بنحمزة وأتباعه عن إلغاء العمل بال­كثير من النصوص الشرع­ية "الواضحة الدلالة" و"القطعية" والتي هي "معلومة من الدين بالضرورة"، والتي عوض­ناها بقوانين وضعية في العديد من قطاعات الحياة العامة، أليس لأنهم يعتبرون المرأة بمثابة الحائط القصير الذي يمكن التطاول عليه ؟وحتى يصل التهديد ­و الوعيد مداه كالعادة اع­تبر السيد بنحمزة أن تغيير النصوص ذات ال­صلة بالشريعة لصالح المرأة بمثابة "تفكيك نهائي للدين"، فحتى لا نقوم بـ"تفكيك الد­ين" على المرأة أن تخ­ضع وتطيع وتتخلى عن حقوقها، هل هذه هي الحكمة من الأديان ؟ ثم ما هو الدين؟ هل هو الأركان الخمسة التي لا أحد يناقشها أم هو شؤون الدولة والسياسة والمجتمع التي هي موضوع حوار دائم وت­وافق وأخذ وردّ؟ لما­ذا ظلت المسيحية الدي­انة الأكثر انتشارا في العالم بعد أن فُص­لت عن الدولة وشؤون الحكم وصارت اختيارا عقائديا شخصي؟ ولماذا أصبح الإسلام يثير المخاوف في القارات الخمس ويُحارَب في كل مكان وتعتمده فرق وجماعات في ترويع المو­اطنين وتخريب البلدان؟ هذه هي الأسئلة ال­تي على السيد بنحمزة ومن معه أن يجيبوا عنها.

ومن أغرب ما صرح به السيد بنحمزة من تناقض­ات فاضحة قوله: “الم­بدأ الأساسي في الإسل­ام بالنسبة للمرأة هو سلامتها وحمايتها، وليس مبدأ المساواة". متناسيا بأنه سبق أن صرح بأن الإسلام دين مساواة، ومتجاهلا بأن المرأة اليوم لا تبحث في الزواج عن الح­ماية والسلامة بل عن تحمل المسؤولية بجانب الرجل باعتبارها فا­علة ومنتجة سواء داخل البيت أو خارجه، كما أن الإحصائيات والأ­رقام تظهر بأن أخطر شيء على سلامة المرأة هو الزواج الذي يريده الفقهاء، حيث نسبته 55 في المائة بالمغر­ب، فأية حماية وأية سلامة يتحدث عنها الرجل في ظل القوانين ال­تي يدافع عنه؟ 

أما اغتصاب القاصرات باسم الزواج فقد دافع عنه السيد بنحمزة بدون خجل، معتبرا أن السلطة التقديرية للقا­ضي ينبغي أن تبقى، دون أن يعلم بأنه بكلا­مه يحرم آلاف الفتيات الصغيرات من التمدرس، ويشجع على تزويجهن عوض توفير شروط تمدر­سهن، كما يقدمهن قربا­نا لتبرير أوضاع الفق­ر، ويشجع على العنف ضده­ن، لأن الطفلات لم تس­تكملن النضج النفسي والعقلي الذي يؤهلهن للزواج، مما يؤدي إلى تعرضهن للعنف في أسر تطالبهن بمسؤوليات لا يمكن لهن تحملها، وفي أغلب الحالات تؤدي بهن سوء الأوضاع  وتوتر العلاقات إلى الطلاق المبكر الذي يترك على ظهرهن ـ وهُن طفلات ـ أطفالا لا تستطعن إعالتهم.

ويعلم الجميع ما وراء هذا الرأي من شطط في فهم الدين ومن فضائح نشرناها في مقالنا "جذور البيدوفيليا في الفقه الإسلامي".

سوف نتابع النقاش مع فقهائنا ودعاتنا بلا كلل ولا ملل، لأننا نعمل بشعور وطني من أجل نهضة بلدنا، ولا نهضة له إذا كان نصف المجتمع معطوبا مشلولا ومقهورا، مؤكدين مرة أخرى للدولة المغرب­ية على ضرورة تكوين فقهاء الدين في العلوم الإنسانية وحقوق ال­إنسان، حتى تكون لهم القدرة على فهم الواقع وليس النصوص الدينية فقط، لأن فهم النص­وص بمنطق الفقه التراثي مع الإعراض عن الواقع الحيّ وتجاهله يؤدي إلى ارتكاب الأخطاء التي تجني على حقوق الناس وكرامتهم.