،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
18 Jun
18Jun


روض برس

الأحد المقبل سيكون يوما حاسما واستثنائيا وتاريخيا في كولومبيا.

 هذا ما أشعر به وهو اقتناع مستمد من تأملي لخطابات المرشح الرئاسي اليساري بترو غوستافو والمرشحة لمنصب نائبة الرئيس فرانسيسكا ماركيز. 

سيكون يوم الأحد حاسما بالنسبة للشعب الكولومبي بأن أغلبيته ستصوت لصالح زعيم اليسار الجديد بترو غوستافو ونائبته فرانسيا ماركيز، وهذا يعني أن الميثاق التاريخي الذي يجمع، كتحالف انتخابي، مكونات اليسار الجديد، سينال الثقة الشعبية من قبل أهم قطاعات المجتمع الكولومبي نتيجة النضال الطويل على الأرض والجهود الهائلة التي بذلت لكي يكون أمل التغيير طريقًا مفتوحًا من أجل تحقيقه. 

سيكون يوم الأحد تاريخيًا لأنها المرة الأولى التي يكون فيها لكولومبيا رئيس من اليسار مسلح جيدًا بالعقل الديمقراطي والمعرفة الاقتصادية والعلمية، فضلاً عن استراتيجية التغيير الاجتماعي كما يتضمنها برنامجه الانتخابي من خلال الإصلاحات في مختلف القطاعات.   

بصفتي مواطن مغربيً، فإنني أقدر كثيرًا قيمة خطابات كل من فرانسيا وبيترو، وهما مرشحا كتلة الميثاق التاريخي الذي يمثل اليسار الكولومبي الجديد، لكنهما بلا شك يمثلان الأمل في التغيير الاجتماعي الحقيقي وفقًا للعوامل التالية: 

- أولاً ، إن الخطاب الذي عبر عنه مرشحا الميثاق التاريخي أمام شعبهما الكولومبي له مصداقية كبيرة، و يحمل قدرا هئلا من النزاهة الفكرية و الأخلاقية، ومقترحات التغيير الاجتماعي في برنامجهما الانتخابي تحتوي على نموذج اقتصادي عقلاني وطني منتج لا وجود فيه لذلك المنطق الشعبوي المليئ ب "اللفظة لثورية" التي ما فتئ قادة اليسار التقليدي يعتمدها في خطاباته باعتبارها الأداة الوحيدة لإقناع الناس بينما عندما يصلون إلى السلطة يظلون يحكمون بيد ديكتاتورية ويدمرون حياة شعوبهم تحت شعارات "اليسار" و "الاشتراكية" و يتسببون بمنطقهم الشعبوي في إنتاج الفقر و الزيادة في معدلاته، و نشر الفساد، والبطالة، والجريمة المنظمة، وغياب الدولة، و تسليط القمع ضد المعارضين، إلخ. 

و على الرغم من ماضي بيترو عندما كان حالمًا يمارس نشاطه السياسي في ظل حركة 19 أبريل (M 19) الممارسة آنذاك  لحرب العصابات في المدارات الحضرية، فقد أصبح الآن شخصية فكرية وأكاديمية مغايرة لماضيه، بحيث بات يكتسب معرفة اقتصادية هائلة، فضلا عن مراكمته  لتجربة كبيرة في النضال السياسي والبرلماني، و مسار هذه التجربة أحدث تغييرًا جذريًا هاما في وعيه السياسي سمح له بتفكيك ما كان لديه من مفاهيم يسراوية تنتمي لأدبيات اليسار الشعبوي التقليدي.  

لقد تم تطوير هذا التغيير في الوعي السياسي بناءً على معرفته الدقيقة بالأدبيات الماركسية من خلال مرجعياتها خصوصا ما يرتبط بالاقتصاد و الٌاقتصاد السياسي و هو ما يميز خطه الأيديولوجي والسياسي الجديد بترابط جدلي مع فهم عميق للمسألة الديمقراطية حيث، بالنسبة له،  أن الأداة الوحيدة لتحقيق التغيير الاجتماعي هي النضال الديمقراطي من المعارضة والدمقرطة الشاملة عندما يكون في السلطة. 

هذا هو السبب الذي جعله يقر بأن المحرك لجميع إصلاحاته الموعودة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والضريبية والزراعية و الطاقة... ستكون على أرضية الديمقراطية، التي ليست فقط مفتاحًا أو آلية للتغيير الاجتماعي، إنها أيضًا ثقافة تسمح للشعوب بأن تتسلح بالوعي الديمقراطي، لذا فالشعوب ذات الوعي الديمقراطي العالي، تكون دائمة اليقظة و الحذر، إذ لا يمكن لأي حزب سياسي، مهما كان لونه الأيديولوجي أو خطه السياسي، أن يمارس عيلها الخداع و التحايل بواسطة الخطب الديماغوجية و الوعود المعسولة، وأي حزب سياسي يتفاخر بالانتماء لليسار ليس بحزب يساري حقيقي إذا لم يكن قادراً على ضخ وعيه بالثقافة الديمقراطية التي تعلم النخب و الأحزاب الحقيقية القيم الإنسانية، بما في ذلك قيمة احترام إرادة وخيار الشعوب والاختلاف في الرأي. و لذلك ليس سرا أن يسمي بيترو عوستافو الحركة السياسية التي أسسها بحركة "كولومبيا الإنسانية".

تطور شخصية بترو السياسية من خلال تبنيه للثقافة الديمقراطية كماركسي هادئ و عقلاني، سمح له بالقطيعة المعرفية عن كل العقائد الإيديولوجية الشعبوية المتكلسة  و عن شعاراتها البئيسة و التبسيطية التي لا تزال تحافظ عليها الأحزاب اليسارية التقليدية و التي تعطي المثال تلو الآخر عن فشلها الذريع حتى و هي موجودة في السلطة.

و لم يقف اليساري بيترو عند حد القطيعة المعرفية، بل أن جانبا آخر يتسلح به، و هو ركن أساسي في منظومة فكره السياسي، ألا و هو الوعي النقدي، ليس للسياسات اليمينية الليبيرالية و لرجالاتها فحسب، و إنما لليسراويين الحاكمين في فنزويلا و بوليفيا و نيكاراغو... مراهنا على تصوراته الحداثية في بناء يسار آخر، يسار جديد ديمقراطي بأبعاد إنسانية قريب من الناس و يعيش مشاكلهم صباح مساء و يدرسها بصدق و بمسؤولية لكي يجد لها الحلول الملائمة بعيدا عن عقلية النظام الليبيرالي المتوحش و عقلية حروب العصابات المدمرة.

إذا تشبث الشعب الكولومبي بشخصية بيترو غوستافو و فرانسيا ماركوز و هو أمر سيكون مؤكدا يوم  غد الأحد، كما تظهر استطلاعات الرأي و استجابات الشارع لتطلعاته و طموحاته التقدمية و الديمقراطية،، فإن الميثاق التاريخي مؤهل لإنجاز تلك الطموحات و تجسيدها في إصلاحاته المختلفة، و آنذاك سيكون مؤكدا، كل التأكيد، أن خطط اليمين المتطرف المحافظ واليسار الشعبوي التقليدي ستدفن إلى الأبد.