،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
07 Jul
07Jul


المصطفى روض

قرأت اليوم في موقع آخر ساعة الجزائري خبرا يقول مضمونه: "جمع رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون يوم الثلاثاء بالعاصمة الجزائر رئيس دولة فلسطين السيد محمود عباس و رئيس المكتب السياسي لحركة حماس السيد اسماعيل هنية في لقاء "تاريخي". 

و قبل أن أبدي رأيي في هذا الخبر المثير و خلفية و طبيعة هذا اللقاء، لا بد من التذكير بالدور الهام و التاريخي الذي كان على المغرب أن يلعبه لمساندة القضية الفلسطينية و حمايتها من التشويه و الانحراف و الضياع و المصادرة. كان المغرب الرسمي، و انسجاما مع قرارات الشرعية العربية المساندة لحق الشعب الفلسطيني في حقوقه السياسية و التاريخية و على رأسها حقه في إقامة دولته الفلسطينية و عاصمتها القدس، و اعتبار  منظمة الحرير الفلسطينية ممثله الشرعي الوحيد و الأوحد، أن لا يتراجع عن تلك القرارات لأنها تجسيد ليس لاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني و تضامن مع حركته الوطنية التحررية فحسب، و إنما كذلك تجسيد لإرادة الشعوب العربية، فكان المنطق السليم المستجيب لروح الشعوب المضطهدة أن يتمسك بشرعية تلك القرارات التاريخية التي و إن تخلت معظم الأنظمة العربية عنها، فإن الشعوب و بعض من قواها السياسية القليلة ستظل حريصة على التمسك بها و تحويلها كلما استطاعت إلى أسلحة سياسية لمقاومة العدو الصهيوني في كل بقاع العالم الذي بات اليوم يفرز أشكالا أخرى من التضامن مع القضية الفلسطينية، و خصوصا حركة المقاطعة التي أصبحت تهدد المصالح الاقتصادية و التجارية و العسكرية في بلدان لا يشك أحدا في مساندتها لدولة العدوان الصهيونية مثل الولايات المتحدة التي في معظم مدنها يتصدى فيه الأمريكيون المتعاطفون مع فلسطين لكل أنواع البضاعات الإسرائيلية المشبوهة، خصوصا المرتبطة بالصناعة العسكرية، للعمل على توقيفها في العديد من الموانئ، فضلا عن حماية المؤسسات التعليمية من الاختراقات الصهيونية و ممارسة الضغط على الطلبة الامريكيين للتراجع عن مواقفهم المؤيدة لقضية الشعب الفلسطيني و المطالبة بحمايته من الاعتداءات المتكررة  للسلطات الصهيونية.

كان على المغرب أن لا يسير في تلك الطريق التي رسمها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، و هو المتصهين أكثر من الصهاينة، حيث كان مشروعه يرمي إلى إقبار القضية الفلسطينية و محوها من برنامج تصفية الاستعمار بما في ذلك محو كل القرارات الشرعية الأممية التي تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني، و ذلك بأفق خدمة إسرائيل و تقويتها اقتصاديا و عسكريا و ربطها في علاقات تطبيعية مع البلدان العربية التي كانت تقليديا ضمن معسكر نظام التبعية الذي يخدم المصالح الأمريكية، و الظفر ما أمكن بضمان حماية أمنية لإسرائيل بواسطة إحداث المزيد من اختلال لموازين القوة استكمالا لما قامت به أمريكا لدى تدخلها العسكري في العراق حتى تظل إسرئايل هي الأقوى في منطقة الشرق الأوسط.

ما كان على المغرب أصلا أن يسقط في فخ التطبيع، لأنه ليس في حاجة لكي تقايضه أي دولة غربية بما فيها أمريكا على حقوقه التاريخية في وحدته الترابية مقابل التطبيع مع الكيان الصهيوني، و شعبنا المغربي و قواه الوطنية كلما كان سقف الجبهة الداخلية أمثن و أقوى، كلما انهارت مقولات الانفصال و الانشطار و  ممثلها البارز البوليساريو، و حاميتها الجزائر المريضة بنزعة الهيمنة الإقليمية. 

و بدل منطق السقوط في فخ التطبيع استجابة لخطة ترامب العدوانية، كان على المغرب أن لا يفرط في قضية الشعب الفلسطيني، و أن يكون بالمرصاد لمخططات العدو الصهيوني المسيئة لحقوقه الوطنية و التاريخية، و ذلك بتقديم دعم فعال بأن يفتح أرضه لكي تقام فوقها حوارات الوحدة الوطنية الفلسطينية بمشاركة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، يمهد لها المغرب الرسمي بدبلوماسية الوساطة مع القادة  الفلسطينيين، و كانت مبادرة من هذا النوع ستجعل المغرب في صدارة الجهود الفعلية و الصادقة التي ستخدم قضية الشعب الفلسطيني لأن الغاية النبيلة منها تقوية مؤسسات الشرعية الفلسطينية التي ستتاح لها الفرصة في ضوء نتائج الحوارات الفلسطينية من القيام بواجبها السياسي و الكفاحي في مواجهة إسرائيل و إحباط مشاريعها المعادية و الرامية إلى إضعاف حركته الوطنية و إقبار الحل السياسي للقضية الفلسطينية. 

لكن للأسف، رياح التطبيع جرت المغرب ليصطف مع بلدان عربية مطبعة، مع أن نموذج الكويت حاضر بمصداقيته و نبل موقفه القومي، حيث لم تقف عن حدود رفض التطبيع، و إنما تقوم بمساندة قضية الشعب الفلسطيني في العديد من المحافل الدولية.

 سنعود لهذا الموضوع بغاية التفصيل فيه لكي نتوقف عند المحاولات التي كانت جارية لكي يحتضن المغرب حوارات الوحدة الوطنية الفلسطيني، و كذلك للتعرف على تسلل الصهاينة لإفشال تلك المحاولات التي لم يعمل المغرب، للأسف الشديد، على استثمارها انسجاما مع الخط القومي المساند للقضية الفلسطينية الذي ساهم في بلورته في عهد المرحوم الحسن الثاني. 

و بخصوص الخبر المنشور في موقع "آخر ساعة"،  تساءلت أين تكمن يا ترى الطبيعة التاريخية للقاء الذي جمع الرئيس تبون بمحمود عباس و إسماعيل هنية؟ إن الخبر فيه إجحاف للحقيقة و هو لا يمكن اعتباره تاريخي لا بمعيار السياسة و لا بمعيار الأخلاق، اللهم إذا كانت "تاريخية" اللقاء هي تسمية أحد شوارع غزة باسم الجزائر. 

تبون المشغول صباح مساء بمعاداة المغرب في قضية وحدته الترابية و الذي، منذ فترة، و هو يشن عليه حربا إعلامية بواسطة الكذب و التضليل لا يتعب، في كل مرة، يستجيب فيها لتعليمات قادة النظام العسكري لتكريس العدوان على بلد جار. إن ما اعتبره إعلام "آخر ساعة" ب "اللقاء التاريخي"، هو خدمة مجانية للرئيس الجزائري تبون الذي يوجد نظامه الاستبدادي في حالة عجز تام عن إصلاح البلد و الاستجابة لمطالب الحراك الاجتماعي الديمقراطية التي لن يتراجع عنها شعب الجزائر و التي يعض عليها بالنواجذ خصوصا مطلب الدولة المدنية بديلا للدولة العسكرية. 

و يعتقد تبون أنه ذكي و هو يستخدم "رمزية" كل من محمود عباس و إسماعيل هنية في أجواء احتفال الجزائر بذكرى استقلالها الستين، ليظهر بمظهر الموحد لمكونات فلسطينية متخاصمة خدمة لقضية الشعب الفلسطيني، و الأمر ليس كذلك لأنه مرتبط بتفكير عقيم حيث يستغل علاقة التطبيع بين المغرب و إسرائيل ليمرر رسائل تظهره أنه هو الداعم الحقيقي للقضية الفلسطينية و في نفس، الوقت يجعل من هذه القضية ورقة للمزايدة.  

النظام الجزائري، كان يتاجر باستمرار بالقضية الفلسطينية و يجبر قادتها على الانصياع لمواقف سخيفة توظف ضد بلدان الجوار لغايات إقليمية  و ضمنها معاداة المغرب في قضية صحرائه و وحدته الوطنية الترابية. 

وأما التوظيف عبر الصور الموزعة للقاء الثلاثي  بين تبون و عباس و هنية، فلن يخدم القضية الفلسطينية، بل هو يكرس رمزية زعامات فلسطينية فاشلة سواء في إمارة غزة أو في سلطة رام الله. و هذا موضوع يحتاج إلى مقال خاص.