،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
26 Sep
26Sep


المصطفى روض

بخلاف المسار العام الذي تبرهن من خلاله شعوب أميركا اللاتينية على اختيارها الحاسم لقوى اليسار كي تتولى سلطة الحكم في بلدانها، تتجه بعض شعوب الاتحاد الأوروبي إلى خيار مناقض و مدمر، في نفس الوقت، و ذلك بتصويتها لفائدة قوى سياسية تعي جيدا أن هويتها الايدولوجية يمينية متطرفة و فاشية بحلة جديدة ربما لا تختلف عن فاشية موسوليني و نازية هتلر سوى فى مسألة التحقيب مع أن المضامين واحدة في الجوهر.

و هذا ما عكسته إرادة الشعب الإيطالي، يوم أمس الأحد، و هو يصوت لفائدة التحالف اليميني المحافظ الفاشي الذي تتزعمه جيورجيا ميلوني رئيسة حزب "إخوان إيطاليا"، حيث من الصعوبة بمكان فهم سيكولوجية الناخب الإيطالي لاختيار هذا التوجه الغريب الذي يتعارض مع القيم الإنسانية والسياسية التي ينشدها باستمرار كأنه ينتقم لارثه الثقافي المشرق متناسيا طبيعته التقدمية و الانسانية و هو الإرث الذي خلص الشعب الإيطالي من ماسي الفاشي موسيليني بعد ارتكابه لمجازر خطط لها عن سبق إصرار لتصفية المناضلين التقدميين  و الليبراليين حتى صارت الفاشية صنو النازية لا يمكن لانسان سوي أن يقبل بها أو يتعايش معها، فبالاحرى اختيارها عبر صناديق الاقتراع لتكون نظاما حاكما في رقاب العباد و البلاد.

بالأمس،  و بمجرد إعلان فوز التحالف اليميني المتطرف في إيطاليا بنسبة 43 في المائة من الأصوات، حتى اكتسحت الفرحة مجمل قوى اليمين المتطرف و تيارات الفاشية الجديدة في أوروبا، محفزة إياها على الاستمرار في ذات النهج لتحويل القارة الأوروبية إلى منطقة فاشية بعد ان تتمكن من دحر اليساريين و الليبراليين و تعطيل النظام الديمقراطي...

صحيح ان اللوم، كل اللوم، في اختيار بعض شعوب أوروبا، (المجر، بولندا، السويد، ايطاليا)، لقوى اليمين المتطرف و الفاشي، يقع على قوى اليسار ذاتها لأنها استحلت التشرذم و النضال في حالة الانقسام متناسية كل اطروحات التحالف وفق التقارب الأيديولوجي، فضلا عن الممارسات السلبية لبعض قادتها و تخليها عن التراث التقدمي الماركسي بما فيها الثقافة الجدلية بقوانينها الموضوعية الحاسمة في تحديد اتجاهات التغير و مساراته و التنبؤ بها و البناء عليها في رسم الاستراتيجيات و التكتيكات. 

و مقابل هذا التشرذم في صفوف قوى اليسار لدى العديد من بلدان اوروبا، كما حال إيطاليا التي شاركت فيها أحزاب اليسار منقسمة على نفسها، كانت قوى اليمين و اليمين المتطرف الفاشي موحدة في إطار تحالف متين جعلها تسدد ضربات قوية لليسار المنقسم، و وحدة مكوناتها و هي تخوض الانتخابت، غطت حتى على فضائح بعض رموزها المعروفة بفسادها الأخلاقي و المالي كما هو الشأن  بالنسبة لرئيس الحكومة الأسبق سيلفيو بيرلسكوني الذي فاز بمقعد سيعيده إلى البرلمان. 

و تحالفات قوى اليمين المتطرف باتت قوية و مفتاح أساسي للفوز في الانتخابات على مستوى كل بلد، كما أن تحالفها على المستوى القاري حقق مكاسب هامة في ضوء النقاشات المستمرة بين رموزه على مستوى قادته في كل من فرنسا و إسبانيا و النمسا و هولاندا، و هناك توجه لإقامة "اممية" مع وجود دعوات، في هذا الاتجاه لإلحاق قوى لليمين الفاشي من أميركا اللاتينية،  حيث من غير المستبعد أن يكون زعيم هذه "الاممية" هو نفسه سانتياغو اباسكال رئيس حزب فوكس الإسباني.  

و من بين الذين علقوا إيجابا على فوز اليمين المتطرف الفاشي، زعيم حزب فوكس الاسباني، سانتياغو اباسكال، المعروف بنزعته الفاشية و تحقيره للمهاجرين و النساء و الأطفال، الذي قال في تغريدته على موقعه الرقمي: "لقد أوضحت جيورجيا ميلوني الطريق لأوروبا  حرة فخورة بها ذات سيادة"، بينما قال المتحدث باسم رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، "نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى  أصدقاء يتقاطعون في رؤية و نهج مشتركين تجاه أوروبا".

ميلوني البالغة من العمر  45 سنة، لا يوجد مواطن إيطالي واحد يشك في نزعتها الفاشية، و هي حفيدة سياسيا لموسيليني لأنها منذ كانت مناضلة و قائدة للحركة الطلابية في روما، و هي تمجد "عظمة" موسيليني و تعتبره أفضل سياسي عرفه تاريخ إيطاليا منذ خمسين عاما، لكن المرأة، مع ذلك، ستصبح ليس فقط زعيمة تحالف اليمين الفاشي، و إنما فازت بالانتخابات التشريعية لتصبح رئيسة الحكومة المنتظر تشكيلها نهاية أكتوبر القادم. 

و بديهي ان الحكومة الفاشية في إيطاليا سيكون لها تأثير سلبيى على مجمل الأوضاع السياسية و الاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي، لأن السياسات التي ستعتمدها حفيدة موسوليني قد تهدد، من دون شك، بتغيير وجه إيطاليا في علاقتها بالاتحاد الأوروبي، حيث ستدعو إلى مراجعة كل الاتفاقات و المعاهدات، كما تؤكد مختلف وسائل الإعلام، بل و قد تطرح قيام بديل اسمه "اتحاد الدول ذات السيادة" شعاره "الله، البلد و العائلة". 

و من بين القضايا التي سيتركز عليها النشاط السياسي لزعيمة اليمين الفاشي هو المحاربة الفعلية لكافة المهاجرين و منعهم بالمرة من أن تطا أقدامهم الأراضي الايطالية، فضلا عن محاسبته لكل جماعات المثليين و اقبار النظريات المدافعة عن النوع الاجتماعي و اعتماد سياسة تجشجع على الزيادة في معدلات الولادة في بلد يوجد فيه أكبر عدد من كبار السن في العالم.

من جانب اخر، و على الرغم مما تركته نتائج الانتخابات في إيطاليا من مرارة لدى قوى التقدم، فإن مسار التجربة الجديدة للحكومة الفاشية في إيطاليا ستكون فاشلة لأن طبيعة سياستها لن تكون فيها ذرة من الإنسانيه و سيندم الشعب الإيطالي على ما فعله بارادته و ثقته و هو يمنحهما مجانا لقوى سياسية تسكنها روح الفاشية المقيتة و المرفوضة عقلا و أخلاق.

فما أن تتولى ميلوني تدبير شؤون حكومتها حتى تجد أن طريقها لن يكون معبدا بالنجاح أو مفروشا بالورود، و إنما بالعقبات التي يصعب المناورة بشانها، لأن الحكومة يقع عليها عبء كبير لإدارة الأزمة الناجمة عن التضخم الهائل المتفشي، في وقت تشير فيه المؤشرات إلى مواصلة إيطاليا انهيارها الفعلي على وقع ثقل المديونية التي بلغت 150 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، و هو، كما تؤكد مختلف وسائل  الاعلام، أعلى  مستوى في منطقة الاتحاد الأوروبي.


                  زعيم حزب فوكس الفاشي الاسباني، رفقة زعيمة اليمين الفاشي الايطالي