،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
17 Feb
17Feb


بقلم: أحمد عصيد

في الوقت الذي ما زال فيه المغرب يحتل الرتبة 136 في تكافؤ الفرص بين الرجال والنساء، أي أنه ضمن الدول العشر الأخيرة التي هي في معظمها دول في حالة حرب واضطراب، أظهرت 18 سنة الماضية من العمل بمدونة الأسرة المغربية ثلاث نقائص كبرى صار من اللازم البتّ فيها في السياق الحالي، الذي فتح فيه من جديد باب النقاش حول نص المدونة بغرض مراجعته وتدارك الأسباب التي جعلته مخالفا للدستور وقاصرا عن ضمان الكرامة للمرأة المغربية.

المشكل الأول يتعلق بطبيعة النص ذاته وفلسفته ومرجعياته ومعجمه.

المشكل الثاني يخصّ واحدا من أعطاب الدولة المغربية وهو عدم تفعيل القوانين.ـ 

المشكل الثالث يعود إلى طبيعة العقليات السائدة في المجتمع وطبيعة التمثلات حول المرأة والطفل.

وتقتضي منا هذه المشاكل الثلاثة مقاربة حقوقية تتصف بالوضوح والشفافية والشجاعة، كما تستلزم إرادة سياسية في الحسم والتجاوز، وعدم تكرار الأخطاء السابقة، وذلك في سياق ما تشهده المجتمعات الإنسانية من تطور عام في اتجاه الحقوق والحريات والمساواة التامة بين الجنسين، وتجاوز الثالوث الذي ما زال يعصف بحقوق النساء المغربيات حتى اليوم، ثالوث التمييز/ التفقير/ العنف، مما يجعل ترتيب بلدنا في العالم حتى اليوم الترتيب المشار إليه أعلاه.

ومن أجل مراجعة شاملة وعميقة ثمة جملة مبادئ فكرية عامة ومرتكزات تتعلق بفلسفة النص الذي يمكنه تحقيق الكرامة والمساواة بين الجنسين، وجعل الأسرة المغربية إطارا للتقاسم والتضامن والمسؤولية المشتركة، عوض العنف والسيطرة والطاعة والاستغلال. ويمكن إجمال هذه المبادئ الفكرية العامة فيما يلي:

1) القطع مع الصراع القديم حول المرجعية بإقرار انتماء بلدنا إلى العالم وانخراطه في دينامية التحولات القادمة، ورفض العزلة وتكريس الممارسات الماسة بالكرامة، والتي باسم "الثوابت" تعمل على كبح التطور، وشرعنة أشكال الظلم التي لم يعُد يمكن قبولها.

2) أولوية الإنسان على النصّ والآراء الفقهية باعتباره كائنا وُجد قبل جميع الأديان، جوهرا واحدا ذا كرامة، مهما اختلف لونه أو لسانه أو نسبه أو جنسه أو عقيدته، وتتحدّد قيمته في إنسانيته، بينما الدين مختلف حسب البلدان والأمم والشعوب والسياقات التاريخية بل وحسب الأفراد داخل نفس المجتمع. كما أنّ الإنسان هو الذي يؤمن بإرادته واختياره ولا قيمة للدين بدون فعل الإيمان به من طرف الإنسان الذي ينبغي أن يتبوأ الصدارة.

3) اعتبار أن الخصوصية نوعان: خصوصية تمثل غنى للشخصية الوطنية باعتبارها لا تتعارض مع مكتسبات العصر، ولا مع قيم حقوق الإنسان التي يعتبرها الدستور المغربي كلا غير قابل للتجزيء وأسمى من التشريعات الوطنية، ونوع آخر من "الخصوصية" ارتبط بسياقات تاريخية واجتماعية وسياسية قديمة، لم تعُد قائمة في ظلّ الدولة الحديثة، مما يجعلها مناقضة لالتزامات الدولة ولتحولات المجتمع المغربي.

4) بناء المدونة على أساس فكرة التعاقد بين طرفين متساويين في حقوق وواجبات المواطنة، وإلغاء كل الفقرات والمضامين التي تعتمد المنظور الفقهي التراثي الذي ينظر إلى المرأة وفق دوغما رباعية تعتبرها: أنها ضعيفة العقل/ أنها عاطفية تنساق وراء المشاعر والشهوات/ أن مهمتها الإنجاب وخدمة الرجل/ أنها تحت الوصاية يتم الإنفاق عليها. وبمحاربة هذه الأفكار الخاطئة يمكن الدفع في اتجاه جعل الزواج تعاقدا حاسما  يضمن حقوق المواطنة والمساواة التامة.

5) ضرورة الإجهاز على نظام القوامة الذي تمت خلخلته سنة 2004 لكن دون هدمه بالكامل، لأنه لا يسمح باحترام المرأة بوصفها مواطنة مساوية للرجل في قيمتها.

6) تغيير المعجم الفقهي القديم الذي يتضمن كلمات مهينة للمرأة والطفل مثل "المتعة" و"الوطء" و"اللعان" و"القوامة" و"الهجر" و"الفراش" و"ابن الزنى"، واعتماد معجم قانوني حديث يُخرج نص المدونة من المنطق الذكوري القديم.

7) إنهاء سلطة بعض القواعد الفقهية القديمة التي تحولت إلى دين بينما هي مجرد قواعد بشرية كمثل القول بنصوص "قطعية الدلالة" لا تقبل أي تأويل، وبأن "العبرة بعموم اللفظ" وليس بربط النص بسياقه التاريخي وظروفه التي ظهر فيها، وبعدم إمكان الاجتهاد بوجود نص وغيرها من القواعد التي نقضتها الدولة المغربية نفسها في الكثير من تشريعاتها منذ الاستقلال إلى اليوم، والتي آخرها إقرار المساواة في الشهادة بين المرأة والرجل.

8) عدم إقحام شؤون المرأة وحقوقها ضمن منطق "موازين القوى" البراغماتي، حيث أن الكرامة الإنسانية لا يمكن التعامل معها بهذه المقاربة، مما يحتم جعلها من أوليات التزامات الدولة كما ينصّ على ذلك دستور البلاد. كما ينبغي التذكير بهذا الصدد بأنّ التوازنات الكلاسيكية للنظام السياسي في هذا الموضوع قد أدّت إلى حدوث هوة واضطراب بين النصوص والممارسات والوعي الجمعي للمغاربة، مما جعل الطموحات والالتزامات الرسمية مجرد شعارات لا أثر لها على واقع الناس.

9) اعتبار أن سلطة القراءة والتفسير والتأويل للنصوص الدينية لا تقتصر على فقهاء الدين الذين أظهروا عجزا كبيرا عن الاجتهاد المطلوب، بل ينبغي الاستماع إلى الواقع المغربي من خلال الحركات النسائية والباحثين السوسيولوجيين والسياسيين الديمقراطيين والفاعلين المدنيين، وقراءة النصوص على ضوء ذلك كله، ومن تمّ فإن جوابنا على من يدعو إلى إشراك فقهاء الدين وأخذ رأيهم هو أن رأي الفقهاء يُؤخذ به إذا كان متفهما لظروف الواقع المتجدّد، أما غير ذلك فيُترك جانبا ولا يُؤبه به لانعدام جدواه في إيجاد حلول للمشاكل الواقعية، لأن إصلاح النصوص القانونية استجابة للواقع لا يتم من خلال استظهار القراءات الفقهية التي تعود إلى ألف عام.

10) حذف جميع الصيغ اللغوية "التحايلية" التي أدّت إلى إجهاض المضامين الإيجابية والمكتسبات القانونية، وإلغاء الاستثناءات التي تسمح بتعليق النص وتكريس الممارسات السلبية، وجعل فقرات المدونة أكثر وضوحا وانسجاما.بهذا المنطق الجديد ينبغي مقاربة موضوع مراجعة مدونة الأسرة مراجعة شاملة وعميقة تشمل مختلف مظاهر الحيف والتمييز اتجاه المرأة، ومن ضمنها ما يخص تزويج القاصرات وقضايا الولاية والحضانة والنفقة والتعويض عن الضرر وتعدد الزوجات ومنع زواج المسلمة بغير المسلم والتمييز في الإرث والتعصيب. وبهذه المداخل المنهجية والمرتكزات الفكرية يمكن استكمال مسلسل مدنية النص، من أجل الوصول إلى مدونة قوية ومنسجمة داخليا مع الدستور والمعاهدات الدولية التي وقع عليها المغرب وصادق.

ولأننا نعلم بعدم كفاية تغيير النصوص إذا لم يواكبها تحسيس وتأطير وتربية، فإننا نعتبر بأن مهمة الدولة بعد المراجعة الشاملة والعميقة لنص المدونة هو القيام بحملة وطنية لتفسير مضامينها وتقريبها من وعي الرجال والنساء، وذلك من أجل تغيير تمثلات المجتمع عن المرأة والطفل والعلاقة بين الجنسين.