،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
07 Aug
07Aug


بقلم: المصطفى روض

أنجزت مجلة الربيع، الصادرة عن مركز محمد بنسعيد للابحاث و الدراسات، عددا خاصا حول قضية الشعب الفلسطيني تحت عنوان "صمود وسط الاعصار.." 

و كان لنا شرف المساهمة فيه بمقال اخترنا له عنوان "الفرصة الضائعة لاستضافة المغرب للحوار الوطني الفلسطيني" ارتاينا إعادة نشره في مدونة "روض برس" نصه الكامل فيما يلي:

احتضان المغرب لحوار وطني فلسطيني على أرضه تضمن نتائجه وضع استراتيجية للكفاح الوطني التحرري الفلسطيني و إصلاح شامل لمنظمة التحرير الفلسطينية كانت مجرد فكرة اختمرت و تحولت، مع مر الوقت، إلى حلم فلسطيني كان وراءه رهان كبير لكي يتحول إلى حقيقة. كان صاحب الفكرة هووالزعيموالمناضل نايف حواتمة، امين عام الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الذي بذل جهودا استثنائية من أجل أن تتحول إلى حقيقة تخدم الشعب الفلسطيني في تصحيح مسار كفاحه الوطني من خلال تصحيح و معالجة كل الأعطاب التي أصابت مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية جراء التوقيع المجاني على اتفاق أوسلو و استعادة المنهجيةةالديمقراطية داخلها و ضمان قيادة جماعية منسجمة لا تخرج قراراتها الشرعية الفلسطينية كما سبق و ان اتخذتها المجالس الوطنيةةالفلسطينية.

و في مسعى منه إلى تحقيق حلم احتضان المغرب للحوار الوطني الفلسطيني، قام الزعيم نايف حواتمة بتسليم رسالة في الموضوع إلى المرحوم السيد عبد الرحمان اليوسفي العام 2000 بصفته الوزير الأول الأسبق للحكومة الانتقالية. و في استخلاص عملي لفحوى و أهمية رسالة نايف حواتمة، فهي جاءت مباشرة في ضوء اتخاذ الحكومة المغربية لقرار طرد مكتب الاتصال الإسرائيلي من الرباط استجابة لمطالب و ضغط الشارع العربي المتظاهر آنذاك في كافة اقطار العالم العربي، دعما للشعب الفلسطيني مبدع الانتفاضة الفلسطينية التي امتدت لسنوات، في تحد تام، قل نظيره، لقوات الاحتلال الصهيوني بكل ما تملكه من أسلحة حربية فتاكة.

و من منطلق هذا الاجراء الذي باركه الشعب المغربي و قواه الوطنية و التقدمية، و الذي توخى منه المغرب الانحياز إلى موقعه الطبيعي و الالتزام بقرارات الشرعية العربية، شكر نايف حواتمة الشعب المغربي و حكومته على الدعم ووالمساندة، محييا، في ذات الوقت، الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي باعتباره كان في مقدمة مظاهرة المليون من المغاربة الذين جابوا شوارع الرباط يوم 8 أكتوبر الماضي (2000) و هتفوا ملء ٩ناجرهم بالشعارات القومية ووالاسلامية لنصرة الشعب الفلسطيني في معرفتها من أجل نيل حريته وواستقلاله الوطني و لسحق كافة أشكال التطبيع حتى تعود الدول العربية المطبعة إلى محيطه العربي و دورها المساند للقضية الفلسطينية.

و في ذات الرسالة، اقترح نايف حواتمة على عبد الرحمان اليوسفي "عقد حوار وطني فلسطيني شامل فوق أرض المغرب لإعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية و اختلاف منظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة برنامج سياسي موحد، بعد أن حققنا الوحدة الوطنية على الأرض في ميدان الانتفاضة المعتمدة بدم ابناء الشعب الفلسطيني". و في هذا الصدد، ذكر حواتمة اليوسفي بالحوار الذي جرى بينهما في ضيافة الكتلة الديمقراطية بالرباط شهر يونيو من عام 2000 و الذي قدم فيه ذات الاقتراح بغاية تجاوز حالة التشرذم ووالانقسام التي دبت في الساحة الفلسطينية لما لها من أثر بالغ يعطل حركة النضال الوطني الفلسطيني و يضعف موازين القوى لفائدة الكيان الصهيوني.

و إذا كان نايف حواتمة حريصه على أهمية استضافة المغرب لحوار الوحدة الوطنية الفلسطينية، فلانه يدرك جيدا أن هناك عدة عوامل كانت تؤهل بلدنا المغرب و ترشحه لهذه المهمة النضالية النبيلة، أهمها:

أولا: على مستوى علاقته بالشعب الفلسطيني و بمثله الشرعي و الوحيد منظمة التحرير الفلسطينية لم يكن هناك، ما يثبت أن المغربويتدخل للضغط من أجل التأثير على كفاحه و تعيين مواقفه كما يحصل الآن مع عملية التطبيع، فضلا عن أن موقعه الجغرافي البعيد عن منطقة الشرق الاوسط يجعله بعيدا عن تأثره بالحسابات المتولدة عن الصراع الفلسطيني - الفلسطيني أو  الصراع الفلسطيني -العربي. و هذه الحساسيات منتشرة بقوة في بلدان الطوق.

و التأثير السلبي الوحيد في العلاقات الفلسطينية - المغربية كان يتمثل في وجود مكتب للإتصال الإسرائيلي كأداة لفرض التطبيع بمختلف أشكاله السياحية و الاقتصادية و الثقافية... غير أن المغرب تدارك الأمر و عالجه في ضوء اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية و كا ترتب عنها من تداعيات قوية خلقت موازين قوة جديدة سواء في الشارع العربي أو  فيزالساحة الدولية.

ثانيا: الشعب المغربي بكل فئات و طبقاته الاجتماعية و احزابه الوطنية و الديمقراطية و منظماته الثقافية و النقابة و الطلابية و الشبابية و النسائية، راكمت رصيدا تاريخية في حركة النضال القومي الداعم للقضية الفلسطينية حتى أنه في فترات اشتد فيها الصراع العربي-الفسطيني، تبغاها و جعلها قضيته الوطنية. و على هذا الأساس لم يكن ارتباطه بها مجرد دعم عاطفي أو سياسي و إنما في العديد من محطات النضال القومي كان الارتباط يزاوج بين الدعم المادي ووالسياسي و المشاركة الفعلية في ساحة القتال ضد العدو الصهيوني حيث سقط شهداء مغاربة دفاعا عن فلسطين و القدس الشريف.

ثالثا: إن الشعب الفلسطيني عانى منذ إطلاق العمل باتفاق أوسلو عام 1993 من تشتت فصائل  الحركة الوطنية الفلسطينية في أعقاب التفرد بمنهجية أوسلو التفاوضية التي خرجت من الغرف السرية و رضي بها الفريق المصغر للرئيس ياسر عرفات المتنفذ، و هو في الحقيقة يتجاوز القواسم المشتركة و يسيء للمنهجية الديمقراطية و لبرنامج إعلان الدولة الفلسطينية الذي صاغه المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، الشيء الذي حكم على مسار المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بثغرات كبيرة جعلت المفاوض الفلسطيني غير مسلح بموازين القوة على الأرض و بوحدة وطنية فلسطينية بعد أن جرى التخلي الصريح عن أسلوب الكفاح المسلح الذي تقر به الشرعية الدولية، بالإضافة إلى أن اتفاق أوسلو كأساس للمفاوضات كان و ما يزال مجحفا في حق الشعب الفلسطيني و مضرا بحقوقه الوطنية و التاريخية بعد التنازل الخطير على البنود الأساسية للميثاق الوطني الفلسطيني.



رابعا: الأجواء التي خلقتها الانتفاضة الفلسطينية في الساحة المغربية حفزت على ظهور جاهزية عالية عند الشعب المغربي و مختلف قواه الوطنية و الديمقراطية و جمعيته المساندة للكفاح الفلسطيني، لتقديم كافة أشكال الدعم ووالتضحيات المطلوبة لضمان استمرارية الانتفاضة الفلسطينية و شحذها بكل مقومات التطور عموديا و أفقيا  إلى  حين تحرير فلسطين من قبضة الطغيان الصهيوني المحتل و بناء الدولة الوطنية الفلسطينية المستقلة.

و بما أن أساس مقومات تطور الانتفاضة الفلسطينية و استمرار تجددها يكمن في إعادة البناء الضروري للوحدة الوطنية الفلسطينية و جهازها المؤسسات التمثيلي (منظمة التحرير...) على أسس متينة من القواسم المشتركة بعد أن  أصبحت هذه الوحدة قائمة  شعبيا و بين فصائل الثورة الفلسطينية على أرض الانتفاضة، فإن  المغرب كان بإمكانه، في ذلك الوقت، أن يستجيب لدعوة نايف حواتمة باحضتان الحوار الوطني الفلسطيني ليتوج به الوحدة  الوطنية الفلسطينية كاستحقاق هام لإنجاز كبير سيحدد لشعب الانتفاضة خياراته الوطنية و السياسية راهنا و مستقبلا وفق برنامج جديد يستجيب لتطلعاته و آماله في التحرر الوطني و بناء دولته الوطنية المستقلة عاصمتها القدس.

و في هذا السياق تبرز عوامل أخرى إضافية كانت تؤهل المغرب لاحتضان الحوار الوطني الفلسطيني و هي:

إن المغرب كان هو البلد العربي الوحيد الذي تبنت حركته السياسية بمختلف احزابها اليمينية و اليسارية القضية الفلسطينية باعتبارها قضية وطنية؛ فيما باقي الدول العربية و شعوبها اعتبرتها قضية مركزية وفق قرارات الشرعية العربية، فضلا عن أنه كان في تلك الحقبة البلد العربي الوحيد الذي له إطار واحد و موحد تتمثل فيه مختلف القوى التقدمية المغربية الداعمة لقضية الشعب الفلسطيني يحمل اسم "الجمعية المغربية لمساعدة الكفاح الفلسطيني" و كانت تجربته رائدة سواء على مستوى دعم القضية الفلسطينية سياسيا و معنويا أو على مستوى التعريف بها و بمسارها التاريخي أو بالدور الهام في ربط نضالية الشعب الفلسطيني بنضالية القوى الديمقراطية و التقدمية في واجهة الصراع الطبق المناصر للقضايا الاجتماعية و السياسية للطبقة العاملة. و هو الإطار الذي تعزز فيما بعد ب "الهيئة الوطنية لمساعدة العراق و فلسطين" و التي لعبت منذ نشاتها إلى اليوم ادوارا هامة و تعزز هذا المشهد ب "المرصد الوطني ضد التطبيع" ثم ب "الجبهة المغربية لدعم فلسطين و ضد التطبيع" و كلها اطارات تعبر عن تفاعل الشعب المغربي مع القضية الفلسطينية التي يعتبرها احدى قضاياه.

إن المغرب كان على المستوى الرسمي هو البلد الأكثر استقبالا و استضافة للأمم العربية الخاصة بالقضية الفلسطينية التي عقدت في مدن الرباط و فاس (2) و الدارالبيضاء باقاراح من الملك المرحوم الحسن الثاني، و على أرضه تم الاعتراف وفقا لقرار من الدول العربية في قمة الرباط عام 1974 بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي و الوحيد للشعب الفلسطيني مؤكدة، بالارتباط مع هذا القرار الهام و المشترك، على حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى أراضيه المحتلة من قبل العدو الصهيوني و تقرير المصير و الاستقلال التام.

بالإضافة إلى  ذلك، فإن عهد الحسن الثاني، بالرغم من تقلباته بصدد القضية الفلسطينية كلما كانت موازين القوى في الساعتين العربية و الدولية مختلفة لفائدة إسرائيل، فإن سيكولوجية إيجابية كانت تطبع علاقاته في المجمل مع هذه القضية التي يدرك موقعها الهام في الاستراتيجيات السياسيةةالدولية، و لذلك كانت مبادرات متوالية في الموضوع و منها الإحساس السياسي الذي تبلور لديه لكي يتعاطى إيجابي مع مقترحات الجبهةةالديمقراطية لتحرير فلسطين في بداية التسعينات و التي تجاوزت كل حساسيته السابقة التي تولدت نتيجة الردود ووالانتقادات الفلسطينية للنظام المغربي في أعقاب استقباله للزعيم الصهيوني شيمون بيريز بمدينة إفران (1986) و هو ما تسبب في شرخ كبير للعلاقات الفلسطينية المغربية خصوصا بعد قرار الحسن الثاني منع المغاربة من اللقاء مع الفلسطينيين و حضور انشطتهم أو سماع خطاباتهم، الأمر الذي نفذته كافة الأحزاب السياسية باستثناء منظمة العمل الديمقراطي الشعبي.

و مع ذلك، فإن نظام الحسن الثاني لم يقطع مع القضية الفلسطينية لأنه يدرك موقعها في السياسةةالعربية و يدرك مكانتها في الوجدان المغربي و على هذا الأساس برز بسرعة لديه إحساس جديد عبر عن نفسه بتوجيهه دعوة إلى نايف حواتمة من أجل اللقاء بالملك و الباحث معه في مجمل القضايا المرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كما عبر هذا التوجه عن نفسه من خلال المواقف التي أكد عليها الحسن الثاني خلال اللقاء الذي جمع بينهما في مدينة مراكش سنة 1991.

يقول نايف حواتمة بأن الحسن الثاني، خلال اللقاء معه الذي حضره مستشار الملك أحمد بنسودة، أكد له على "ضرورة وقف الاستيطان و ضمان حق اللاجئين في العودة و حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير"، كما أكد له على "أهمية الاصرار على قرارات الشرعية الدولية و مبدأ الأرض مقابل السلام"، فضلا على أنه "شدد على الأهمية القصوى لوحدة كل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية على أساس احترام الهيئات الشرعية المشتركة للمؤسسات منظمة التحرير"، مضيفا أن الحسن الثاني أكد كذلك على "ضرورة التقدم على الأرض قبل أي بحث يتناول مجمل العلاقات العربية الإسرائيلية"، معتبرا أن "مشكلة احتلال الأرض الفلسطينية و الجولان السورية و جنوب لبنان هي الأساس في الصراع العربي الاسراءيلي" (مجلةةالحرية العدد 433\1500).

هذا الاحساس الجديد كان بإمكانه، طالما رغب الحسن الثاني الاستماع و التباحث مع زعيم يساري فلسطيني وازن في الساحة الفلسطينية و داخل الجبهة التقدمية العالمية، أن  يساعد على خلق الأجواء للتمهيد العملي لدعوة كافة الفصائل الفلسطينية لكي تتوجه إلى المغرب لتجري حوارها الوطني الفلسطيني في شروط يتزاوج فيها الدعم الشعبي مع الدعم الرسمي. لكن الأمور اتخذت مسارا آخر بعد أن انكمش ذلك الإحساس  الجديد، و انغمس النظام في إيجاد حلول لأوضاع  و سمها بالسكتة القلبية و طفق يبحث عن حكومة تقودها الكتلة الديمقراطية سنة 1993 لكنها لم تر النور في ذلك الظرف. غير أن  ظروف مغايرة جاءت في 1998 بحكومة التناوب التوافقيي. و توفي الحسن الثاني صيف 1999 ليبدا عهد جديد.

و كلما عاد حواتمة إلى المغرب في العهد الجديد كان يحاول مع الجهات الرسمية أن يحاورها و لو بناء على اساس تلك الخلاصات المهمة و الإيجابية التي خرج بها لقاءه مع الحسن الثاني، غير أن الأبواب لم تفتح أمامه مما استحال معه تحقيق فكرته في أن يكون للمغرب شرف احتضان حوار وطني فلسطيني بديل عن كافة الحوارات الفلسطينية الفاشلة التي جرت قبل ذلك في العديد من الاقطار العربية. و هي فرصة من تلك الفرص الكثيرة التي اضاعتها الحسابات الصغيرة.