،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
04 Mar
04Mar

في حوار مع ادريس ولد الحاج المتخصص في الأدب الإسباني و الأميركي اللاتيني



أجرى الحوار: المصطفى روض 


شكلت الشاعرة غابرييلا ميسترال ظاهرة أدبية استثنائية، سواء في موطنها الشيلي أو على مستوى العالم، حيث ظلت، منذ حيازتها المبكرة على جائزة نوبل للآداب سنة 1945، و أساسا بعد وفاتها بمدينة نيويورك سنة 1957، تحير معظم الباحثين و المهتمين بالأدب في أمريكا اللاتينية لاستكناه السر الكامن في تحول هذه المرأة، من مجرد امرأة قروية فقيرة، إلى شاعرة تتربع على عرش الأدب اللاتيني، و إلى عالمة في مجال التربية لدرجة أسست لدولة المكسيك منظومتها التربوية، فضلا عن أن حياتها و فكرها التربوي و الاجتماعي  و السياسي ما زال يثير جدلا قويا و يحفز على إنجاز الدراسات تلو الأخرى لاكتشاف عوالم هذه الشاعرة الاستثنائية، أجرينا حوارا مع الدكتور إدريس ولد الحاج، المتخصص في الأدب الإسباني و الأمريكي اللاتيني و في الأعمال الشعرية للشاعرة غابرييلا ميسترال الذي قام بزيارة بلدتها و تتبع أثرها في تحقيق ميداني، ننشر نصه فيما يلي:  

س ـ تبدو اهتماماتك في البحث و تخصصك في الأعمال الشعرية للشاعرة التشيلية غابرييلا ميسترال حالة فريدة من نوعها في العالم العربي، الذي لم يتأثر أدباؤه و نقاده بها مثل تأثرهم القوي بشعراء آخرين من أميركا اللاتينية مثل أوكتافيو باث (المكسيك)، خوصي مارتي (كوبا)، بابلو نيرودا (التشيلي) و لويس بورخيص (الأرجنتين)، فما الذي حدا بك للاهتمام بهذه المرأة الاستثنائية و التنقيب عن شعريتها إلى درجة إنجاز أطروحتك حولها؟

 ج ــ لا بد في البدء أن أشكر جريدة "أخبار اليوم" على منحي هذه النافذة لأطل منها على القراء الكرام، فأعرض بعض ملامح تجربتي البحثية، وخصوصا ما تفضلت بطرحه من سؤال حول الشاعرة غابرييلا ميسترال التي تعد بالفعل أيقونة فريدة في الأدب الإنساني عموما، وعلامة فارقة في تاريخ الشعر الشيلي على الخصوص. فهي أول المتوجين بجائزة نوبل للآداب من أمريكا الجنوبية، منذ سنة 1945، رغم أن ذلك لم يشفع لها في أن تحظى بشهرة تناسب قامتها الأدبية الرفيعة، خصوصا في عالمنا العربي. أما بخصوص حيثيات اهتمامي بتجربتها، فلقد تضافرت صدف غريبة جعلتني أتحول من الاهتمام بالرواية أساسا، إلى الشعر الأمريكي اللاتيني، وتحديدا الدراسات "الميسترالية" التي تشكل مبحثا ذا مكانة كبيرة في المسالك النقدية الأدبية بالشيلي. لقد حصلتُ سنة 2011 على أول منحة طلابية خصصها مشكورا المركز الثقافي محمد السادس لحوار الحضارات ـ كوكيمبو ـ بشمال الشيلي، في إطار التبادل الأكاديمي بين الجامعات الشيلية والمغربية، وكنت حينها أتابع دراستي في ماستر الترجمة والتواصل بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بعين الشق. كانت المنحة مشروطة بإنجازي بحثا حول أحد المظاهر الثقافية بدولة الشيلي، فاخترت أن أتطرق لموضوع حضارة شعب المابوتشيين الأصلي، غير أن مُقامي بذلك البلد واكتشافي لمنطقته الإدارية الرابعة، حيث توجد بلدة "بيكونيا" مسقط رأس غابرييلا ميسترال وقرية "مونتي غراندي" الحاضنة لضريحها منذ نقل رفاتها إليها سنة 1960، إضافة إلى ما لاحظته من اهتمام منقطع النظير بتجربتها وشخصيتها بين أهالي تلك المنطقة على الخصوص، جعلني أعيد اكتشاف هذه الشاعرة، فقررت النأي عن موضوع حضارة المابوتشيين والتوجه إلى البحث في الظاهرة الميسترالية. 

س ـ قادتك أبحاثك حول ميسترال إلى زيارة المنطقة الرابعة في شمال التشيلي عام 2011، وإلى إصدار كتابك الهام حولها حمل عنوان "غابرييلا ميسترال: حياة في بداية اليأس". ما هو الشيء الذي كشفته زيارتك حول غابرييلا كامرأة قروية و خلاصاتك حول شاعريتها و حدود العلاقة الثقافية التي كانت تربطها بالشاعر بابلو نيرودا؟


ج ــ غابرييلا مسترال امرأة استطاعت أن تكون صوت آلام كل النساء الشيليات، سواء القرويات الصامتات من منطقة "وادي إلكي" الجبلية الوعرة، أو غيرهن من نساء تلك الفترة الزمنية التي شهدت ذروة التسلط الذكوري، حيث كانت مثقفة عضوية بالمعنى الغرامشي للكلمة، منافحة بالشعر عن قضايا النساء، في مجتمع يعد من أكثر الشعوب محافظة في أمريكا الجنوبية، نظرا لظروفه التاريخية الخاصة، المحكومة موضوعيا بانعزاله الجغرافي خلف جبال الأنديز، وبعده بالتالي عن تيارات الانفتاح القادمة من محيطه الشرقي، حيث الأرجنتين والبرازيل. أما بخصوص علاقتها بالشاعر بابلو نيرودا، فمعلوم أن ميسترال، حينما كانت تشتغل بمدينة "تيموكو" بمنطقة "لا أراوكانيا" جنوب الشيلي، وكانت حينها شاعرة ذائعة الصيت، اقترب منها ذات يوم شاب في مقتبل العمر يدعى نيفتالي رييّيسْ، فقدّم لها بعض بواكيره الشعرية لتبدي رأيها فيها بوصفه شاعرا مبتدئا، فأعجبت بها وشجعته على الاستمرار، ثم توطدت علاقته بها طيلة سنتين قضتهما مديرة لتلك المدرسة، وبقي تحت رعايتها طيلة تلك الفترة. هذا الشاب هو الذي سيصبح فيما بعد شاعرا كبيرا يحمل لقب بابلو نيرودا. المفارقة الكبرى في هذه الحكاية، هو أن نيرودا سيذيع صيته في العالم بأسره، بينما تبقى شهرتها هي محدودة، رغم أنها سبقته إلى نيل جائزة نوبل منذ عام 1945، أي بفارق 26 سنة.    


س ـ ألا ترى معي أن الشاعرة ميسترال تعرضت كامرأة و كتجربة شعرية رائدة لإجحاف ربما تعددت أسبابه. كيف عالجت هذا الاجحاف و ما هي طبيعته في الساحة الثقافية التشيلية؟ هل هي ذكورة ما أو لها ارتباط بمواقف إيديولوجية؟


ج ــ أرى أن ذلك يرجع إلى السببين معا، وكما أشرت سابقا، كان للعقلية الذكورية المستفحلة آنئذ دور كبير في ما تعرضت له الشاعرة من إجحاف. هناك مؤشر يوضح هذه الحقيقة بجلاء، ودائما في علاقتها بالشاعر بابلو نيرودا. ففي السنة التي نالت فيها ميسترال جائزة نوبل، أي سنة 1945، نال نيرودا الجائزة الوطنية للآداب بالشيلي، وكان عليها هي أن تنتظر إلى غاية سنة 1951 لتحظى أخير بذلك الشرف، بينما نال هو الجائزة الوطنية قبلها ولم يتكرس عالميا إلّا بعد مرور ما يقرب من الثلاثة عقود، في مفارقة تبدو غريبة، ورغم أنها فرضت نفسها مبكرا كرمز شعري عالمي و كصوت امرأة شاعرة لا يمكن تجاوزه وطنيا ومحليا، فقد حاولت السلطة الثقافية المهيمنة في البلد اختزالها في بعدي الأم والمعلمة، باعتبارهما وظيفتين تقليديتين تتناسبان مع الذهنية الذكورية المهيمنة، فقامت بتكريس هاتين الصورتين في الكتب والمقرارت الدراسية ووسائل الإعلام.


س ـ كيف تفسر عدم اهتمام الثقافة العربية بالتجربة الشعرية الرائدة لهذه القامة الشعرية الكبيرة على خلاف الاهتمام الذي أولته بشكل كبير لكتاب و شعراء أمريكيين لاتينيين آخرين من أمثال بابلو نيرودا و بورخيص و أوكتافيو باث و خوصي مارتي وغيرهم؟

ج ــ أعتقد أن عاملي العقلية الذكورية والإيديولوجية، بقدرِ ما عمِلا على خنق تجربتها والتضييق عليها في بلدها، كانا وراء انحسار شهرتها في الأوساط الثقافية العربية كذلك، نظرا لما يجمع الثقافتين العربية والشيلية من تقاطعات، باعتبارهما معا ثقافتين محافظتين تحطان من قيمة المرأة وتكرسان نظرة دونية إليها، مهما علا شأنها في ميدان من الميادين، في مقابل الاحتفاء بقيم الرجولة والفحولة، لذلك حظي شاعر مثل بابلو نيرودا بشهرة واسعة في الأوساط الثقافية العربية، خصوصا أنه كان منتميا للحزب الشيوعي الشيلي، واستفاد من علاقاته السياسية بسائر الأحزاب اليسارية العالمية ومن الصراع الدائر حينئذ بين المعسكر الشرقي والغربي، بينما حافظت ميسترال على استقلاليتها، فلم تنتمِ إلى أي حزب أو تيار سياسي، رغم أنها ظلت لصيقة بهموم شعبها، ملتزمة شعريا بالمنافحة عن مصالحه. صحيح أن انتماء نيرودا السياسي لا ينقص البتة من مكانته الشعرية الرفيعة، غير أن هذه المفارقة تسلط الضوء على دور الانتماء السياسي في دعم بعض الأسماء الأدبية وتغلغلها في المؤسسات الثقافية والسياسية، وهذا مؤشر إضافي عن تقارب الواقعين الثقافي والسياسي بالشيلي ونظيريهما في العالم العربي.

 س ـ يبدو اسم الشاعرة ميسترال غريبا لأنها اشتهرت به مع أنه ليس اسمها الحقيقي، فما الذي جعلها تعتمد هذا الاسم الحركي وهي ليست مناضلة سياسية ولم يسبق لها الانتماء لأي حزب سياسي، بقدر ما هي شاعرة ؟ وما هو سر اختيارها لهذا الاسم بدل اسمها الحقيقي الذي يشعرك بشاعرية كبيرة لمجرد النطق به؟

ج ــ اشتهرت الشاعرة بلقب "غابرييلا ميسترال"، وأما اسمها الحقيقي فهو لوسيلا غودوي ألكاياغا. لقد استعاضت عن اسمها الجميل "لوسيلا" باسم مسستعار هو "غابرييلا"، وقد استمدته من الشاعر الإيطالي غابرييل دانونزيو (1938-1863)، الذي احتل مكانة رفيعة في الأدب الإيطالي بين عامي 1889 و1910 وكان يُشار إليه عادة بلقب "النبي"، ومن رمزية كبير الملائكة وأمين الوحي والبشارات غابرييل (جبرائيل)، إذ كانت لها ثقافة دينية كبيرة تشربتها منذ نعومة أظفارها من قراءاتها الكثيرة لكتاب العهد القديم والأناجيل، ثم أنها استلهمت لقب "ميسترال" من الشاعر الفرنسي فريديريك ميسترال (1914-1830)، الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1903، والذي كانت معجبة بشعره كثيرا، كما أنها تشير في أحد قصائدها إلى "اختلاسها" لقب ميسترال كذلك من ريح الميسترال الأوربي البارد، والذي اكتشفته من خلال قراءاتها الكثيرة، مما يدل على توق الشاعرة إلى الحرية والترحال واختراق الحدود منذ بداية تجربتها الشعرية. إذن، فلقب "غابرييلا ميسترال" يمكن النظر إليه كبناء سوسيو- ثقافي يشير إلى شخصية أدبية متخيلة يتداخل في تشكيلها الشعري والديني والطبيعي، وكقناع يخفي شخصيتها الحقيقية ويؤسس لتنوع الأصوات الغنائية التي تتحدث بلسانها عند تناولها لمواضيعها الشعرية. 

س - هذه الشاعرة القروية لاحظ الكثير من المثقفين أن الاهتمام بتراثها الشعري كان قويا في المكسيك لدرجة أن 500 مؤسسة تعليمية تحمل اسمها بينما في التشيلي توجد فقط 50 مؤسسة حاملة له، وكما هو معلوم فشلت في نيل شهادتها الابتدائية، لكن وزير التعليم المكسيكي، خوصي فاسكونسيلوص، وبأمر من الرئيس استدعاها لكي تقوم ببناء المنظومة التعليمية في المكسيك، فما هي الخلاصات التي خرجت بها حول هذه المسألة و قيام شاعرة تشيلية ببناء منظومة التعليم في المكسيك؟ 

ج ــ يمكن القول إن قدر غابرييلا ميسترال هو أن يتم الاعتراف بمكانتها الشعرية والعلمية في خارج البلد قبل الداخل. وبالفعل، في أعقاب الثورة المكسيكية التي اندلعت سنة 1910، وبدعوة من صديقها الكاتب والأكاديمي خوصي فاسكونسيلوص، الذي شغل منصب وزير التعليم في حكومة الرئيس ألفارو أوبريغون (1920ـ1924) وقاد خلالها عملية إصلاح شاملة لهذا القطاع ركزت على محاربة الأمية بين أوساط الأهالي من الهنود، انتقلت غابرييلا ميسترال إلى المكسيك سنة 1922 للمشاركة في تلك العملية ونقل تجربتها كمعلمة قروية، فألقت محاضرات حول الأدب وألفت شعارات وأناشيد لدعم التمدرس، وتحدثت إلى المدرّسين حول أهداف التعليم ووسائله ودور المكتبات، كما أسست مجموعة من المدارس القروية حملت إحداهما اسمها، مستلهمة في ذلك نظريات تربوية مستقاة من الشاعر الهندي طاغور والأديب الروسي تولستوي، فسجلت بذلك اسمها  بمداد الفخر في تاريخ الإصلاح التربوي في المكسيك. بعد ذلك، سنة 1925، أسندت إليها مهمة كاتبة عامة للمعهد الدولي للتعاون الفكري التابع لعصبة الأمم، وكان عليها أن تنتظر إلى غاية 1933 لتُعين أخيرا قنصلا للشيلي بمدريد، لتنطلق بعد ذلك سلسلة من المهام والتشريفات الدبلوماسية والثقافية التي أوكلت إليها، حيث أنهتها مستقرة بواشنطن، بعد أن تم تعيينها هناك قنصلا لبلادها ومندوبة للجمعية العامة للأمم المتحدة، مما جعلها تقضي جل حياتها مغتربة، فاستحقت لقب "الهائمة" الذي اشتهرت به في بلادها، ومع كل تلك المهام، لم تتخل يوما عن وظيفتها الأولى، أي قرض الشعر، فواصلت الإبداع في هذا الصدد إلى آخر رمق في حياتها. 

 س - توجت أبحاثك بإنجاز أطروحة دكتوراه حول شعرية "غابرييلا ميسترال". ما هي الخلاصات التي توصلت إليها حول شعريتها؟

 لقد كان موضوع الأطروحة هو «شعرية غابرييلا ميسترال من خلال ديوانها "قصيدة الشيلي"». وخلافا لدواوينها السابقة، المنتمية إلى تجربة الشعر السليقي العفوي، وفضلا عن لجوئها إلى تقنيتي السرد والحوار، خضع ديوانها "قصيدة الشيلي" لتخطيط قبلي. لذلك حاولت في أطروحتي أن أجيب عن سؤال أساسي: هل كان لكلّ من التخطيط المسبق وإقحام أبعاد وطنية وإجتماعية في القصيدة عنوة، إضافة إلى تقنيتي السرد والحوار، تأثيرٌ في شعرية ميسترال، وهل نحن بصدد شعرية مختلفة عن سابقتها؟ ولمعالجة هذه الإشكالية، اعتمدت على نظرية رومان جاكوبسون التواصلية بعواملها الستة (المرسل، المرسل إليه، الرسالة، القناة، السياق والسنن) وطعمتها بنظرية تعدد الأنساق لصاحبها إيتامار إفين زوهار، ومنهج "نحو النص" للباحثة الإسبانية ماريّا جوزيب كوينكا، ورغم أن المجال هنا لا يتسع للخوض في تفاصيل الأطروحة، يمكن القول إجمالا إن خلاصات البحث تفيد بوجود شعرية جديدة عبرت عنها ميسترال من خلال خطاب مضاد للنموذج التنموي الذي تبنته السلط الحاكمة سنة 1910، بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لاستقلال البلاد، وكانت أدبياته تؤثثها قيم التقدم والعصرنة والمدنية والمركزية والذكورة والفكر الوضعي والتجانس، فردّت عليه ميسترال بنموذج بديل يقحم البادية والهوامش والمرأة والروحانيات والتنوع، إذ يجسد ديوانها "قصيدة الشيلي" مسرحا رمزيا لكل هذه العناصر، بالنظر إلى إسنادها دور البطولة للمرأة والطفل، من خلال شخصي "لا مامّا" و "إل نينيو"، وهما الفئتان المغيبتان في النموذج السلطوي للطبقات المهيمنة، وبذلك فإن الشاعرة تنافح عن تشكيل مخيال بديل تذوب فيه الفوارق الجنسية والعرقية والمجالية، وتؤسس انطلاقا من الأدب لطريقة جديدة في استيعاب ما هو وطني.