،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
2 قراءة دقيقة
28 Jul
28Jul


بقلم: عبد الكريم برشيد 

فاتحة الكلام

لابد من الكلام الجديد ومن الكتابة الجديدة ومن الإبداعات الأدبية والفكرية والجمالية الجديدة، وذلك في فضاءات ومناخات هذا الزمن الجديد والمجدد والمتجدد، من هذه القناعة بدأت من قبل، ومن نفس هذه القناعة أبدا اليوم، وأبدا في كل يوم، ومنها أيضا، يمكن أن أنطلق، وأن اذهب إلى كل الاتجاهات، وأن أعود إليها أعود من أجل القبض على هذا البدء الذي لا يمكن أن يلحقه القدم.

ومن هذه القناعة أبدا اليوم، بحثا عن كتابة احتفالية حية اخرة، لغة تنكتب بلغة الوجود وبلغة الحياة، وتخاطب الناس بلغة الناس.  وفي مفتتح هذا النفس الجديد، من هذه الكتابة الإخبارية والنقدية والتنظيرية والتوثيقية والتاريخية الجديدة والمجددة والمتجددة، أجدني مجبرا على أن أخالف نفسي، من غير أن أخون قضيتي، قضيتنا (المقدسة) وقد أقول اليوم، نفس ما قلته بالأمس، ولكنني ملزم بأن أقوله وأكتبه بشكل مختلف ومغاير، وإلا فما معنى أن أدعو ضيوفي إلى مائدتي الفكرية، وألا يجدوا فيها الجديد الممتع والمقنع؟  

وأجدني اليوم، وغدا أيضا، مضطرا لأن أضيف لكلامي (القديم) كلمة أخرى جديدة، انطلاقا من وحي هذه اللحظة الوجودية الحية، انطلاقا من هذا العصر الاحتفالي الجديد، في هذا التاريخ العلمي والفكري الجديد.  

وفي هذه الكلمة، سأحرص على أن أوضح ما ينبغي توضيحه، وعلى أن أبين الغامض الملتبس، والذي يحتاج مني إلى البيان والتبيين، ويحتاج إلى البلاغ المبين.  

وبخصوص هذه الكتابة اليوم، والتي جاءت بعد جائحة كورونا، وجاءت بعد بيانات كازابلانكا للاحتفالية المتجددة الثلاث، أجدني ملزما، أدبيا وأخلاقا، بأن أقول الكلمة التالية، وأن أؤكد فيها على أن لهذه الكتابة الجديدة، في هذا الزمن الجديد، طبيعة خاصة، ولها وضع خاص، ولها هدف خاص، ولها مناخ فكري خاص، ولعل أهم ما يميز هذه الكتابة الاحتفالية، في منها المابعدي، هو أنها أساسا غير مدرسية، وأنها بذلك بعيدة جدا عن التلقين المدرسي، وبعيدة عن الفتوى، وهي في أفكارها الحرة المستقلة لا تلزم أحدا بما لا يلزم، وهي تقدم للقارئ (الحقائق) مع تأكيده على أنها نسبية، وأنها غير مطلقة، وأنها قابلة للحذف والتشطيب، وأنها قابلة للتصحيح والتوضيح، وأنها قابلة للتصوير والتحيين، ولعل هذا هو ما جعلها تفكيرها بصوت مرتفع، وجعلها بوحا حميميا صادقا، وجعلها همسا فيه موسيقى شعرية، وجعلها خالية من الهوامش ومن اليقينيات، ومن الأحكام المطلقة، وهي بهذا كتابة إنسانية ومدنية حية، تنتمي إلى لحظتها الإنسانية الحية، هذا بالإضافة إلى أنها كتابة تفاعلية، تقوم على المبدأ الاحتفالي المعروف، والذي هو المشاركة والاقتسام، وهو الحضور وشرف الحضور، وبهذا فهي كتابة تنطقها لحظتها التاريخية الجديدة، وتكلمها الساعة وقضايا الساعة، الشيء الذي يجعلها كتابة مفتوحة وناقصة بالضرورة دائما، ويجعلها غير تامة ولا كاملة، وأن تكون في عمرها الجديد هذا مثل نشرة الأخبار، تستمد مادتها الإخبارية من مجريات الأحداث، في هذا الواقع اليومي المتحرك والمتجدد.  

والاحتفالية، بهذه النشرة، تؤكد مجددا على أنها في قلب الحدث، وعلى انها مازالت، كما كانت من قبا، تصنع الحدث، ومازالت معادلة صعبة في تاريخ المسرح المغربي والعربي والعالمي الحديث والمعاصر.  

وبخصوص هذه الكتابة الأحتفالية الجديدة، وبخصوص طبيعتها الجديدة، وبخصوص لغتها الجديدة، فإنني ملزم بأن أقول لكل من يهمه الأمر الكلمة التالية:  

هذه الكتابة لها بالتأكيد أسباب نزولها، وهي في معناها الحقيقي، رسائل نرفعها إلي التاريخ، وهي رسائل نرسلها إلى المستقبل الآتي، وهي أيضا رسائل نبعثها إلى ذلك القارئ الآخر، في ذلك الزمن الآخر، والذي سوف يأتي، في يوم من الأيام وفي عام من الأعوام، وهي بهذا كتابة لا تريد أن تعرف بالمعروف، أو أن تقيم الدليل على ما لا يحتاج إلى دليل، أو تأتي بالحاجة والرهان على حياة ما هو حي وحيوي، أو أن تدافع عن حقيقة لا تحتاج لمن يدافع عنها، أو أن تعيد قول ما قيل في قبل، أو إعادة كتابة ما كتب على امتداد خمسة عقود مصت، وإنني اذكر اليوم – إن كان الأمر يحتاج إلى التذكير – بأن لهذه الكتابة الأحتفالية الحيوية، في ديوان الاحتفالية الكبير، وضع خاص جدا، وهي في الأصل كتابة أملاها وجود وسائل التواصل الجديدة، الشيء الذي جعل منها، من حيث تريد أو لا تريد، كتابة تفاعلية بالضرورة، وهي تتفاعل أساسا مع مستجدات الواقع، وتتفاعل مع الكتابات والقراءات الأخرى، الشيء الذي يجعلها كتابة متحركة في عالم كل شيء فيه يتحرك، وبسرعة الصوت، وبسرعة صوت الضوء وبسرعة الأفكار العبقرية وبسرعة الأحلام في خيال الأتقياء والأنبياء والشعراء، وبهذا فهي كتابة غير تامة وغير نهائية وغير كاملة، ولكنها بالتأكيد تعشق الكمال وتسعى إليه، وتؤمن بالجمال وتبحث عنه، وتحب الجديد والتجديد، وتبحث عنهما في التجربة وفي التجريب الحيوي. 

سقوط جدار أم سقوط نظام؟  

وعن السؤال التالي، للأستاذ عبد السلام لحيابي، في كتاب (عبد الكريم برشيد وخطاب البوح – حول المسرح الاحتفالي) الذي هو:بأية يد يكتب الاحتفالي؟ نجد الجواب التالي:  

هو كاتب يكتب باليد اليمنى نيابة عن اليد اليسرى، نعم، وهو يكتب باليمنى واليسرى معا، نيابة عن كل الجسد، وفي الجسد الاحتفالي قد يكتب رضوان احدادو نيابة عن كل الاحتفاليين، ويخرح الطيب الصديقي وعبد المجيد فنيش ومحمد بلهيسي وعبد الغني بن طارة وحميد صابر ومحمد التسولي وإبراهيم وردة.. نيابة عن كل الاحتفاليين، وعندما تمثل الممثلة ثريا جبران، فإنها بالتأكيد تفعل ذلك نيبابة عن كل الاحتفاليين والاحتفاليات في كل العالم، وعندما يمثل جناح التامي أو محمد حرمة الله أو عبد العزيز بنيس أو أولاد أحمد أو منصف خمليشي الإدريسي أو مصطفى سلمات أو ماء العينين عناني، فهم بالضرورة يمثلون تمثيلا احتفاليا نيابة عن كل الممثلين الاحتفاليين، وعندما يتغنى محمد الباتولي، في احتفالياته الغنائية، فإنه بالتأكيد يفعل ذلك نيابة عن كل الاحتفاليين.  

لقد عثرت هذه الأيام، في مكتبتي وبين كتبي، على عدد قديم من مجلة (العربي) الكويتية، ويعود هذا العدد لشهر ديسمبر من سنة 1996، وهو يتضمن حوارا عميقا وموسعا ودقيقا جدا، وذلك في أسئلته ومسائله وقضاياه، ذلك الحوار، أجراه معي الصحفي والفنان والإنسان النبيل بوشعيب الضبار، وقد كان مادة غنية، فكريا وجماليا، في ركن (وجها لوجه) ومن عناوين ذلك الحوار الفرعية نجد العناوين والمعبرة التالية: 

(سقوط جدار برلين هو أكبر انتصار للاحتفالية) 

(المسرح العربي اليوم أصبح أكثر حيوية وأكثر مدنية و تجريبية) 

و(الشخصية الإنسانية عندي هي أساس الكتابة، وكل نصوصي المسرحية تحمل أسماء الناس) 

يبدأ الحوار، بعد تقديم جميل، بالسؤال التالي (ما هي الاحتفالية؟) ليأتي هذا الجواب:  

(في البدء ، كانت الاحتفالية مسرحنا الآخر، وبعد ذلك أصبحت أكبر وأخطر من المسرح، فهي حلم أو وهم، أو لنقل أحسن، إنها مشروعنا الحضاري الكبير.. إنها فعل يتشكل في التاريخ، وليست مجرد شيء، أو مجرد تجربة عابرة، يمكن أن تصبح، اليوم أو غدا، في ذمة التاريخ، فهي، ما تؤسسه الآن، هنا، في المجال الاجتماعي والفكري والجمالي والأخلاقي والصناعي، وبكلمة واحدة أقول، إنها التاريخ المستقبلي للإبداع العربي، والعبقرية العربية، و للوجدان الذي يتاسس) 

وهذه (الاحتفالية)” في درجتها الأولية والأساسية (هي) مجرد رؤية… رؤية إنسانية مفتوحة على كل الزوايا والآفاق المختلفة، وهي تؤمن بإنسانية الإنسان، وبحيوية الحياة، وبمدنية المدينة، وهي أيضا تحرر، أو دعوة للتحرر، والانفلات من كل القيود المختلفة.. قيود المجتمع وقيود الآداب والفنون وقيود العقائد الوثنية، ومن المسرح تبدأ عملية الانقلاب، تبدأ بسيطة ومحتشمة، وذلك من أجل الوصول إلى درجة الثورة الشاملة والكلية، الثورة على الكائن – في المسرح المسرحي وفي مسرح الحياة – وذلك من أجل الوصول إلى الممكن، وتجاوز ما هو واقعي إلى ما هو حقيقي) 

وداخل هذا الحوار، العلمي والفكري والجمالي، الذي دشنته الاحتفالية منذ ما يقرب من نصف، نجد كثيرا من الآراء ومن التعقيبات ومن التعليقات ومن الشهادات الصادقة، والتي تقول كلمتها بصدق وعفوية، وتمضي، وفي هذه الشهادات الجديدة يختفي ذلك الناقد المحترف، والذي خاصم الاحتفالية من غير أن يفهمها، ومن غير أن يقراها، ومن غير أن يدرك مقاصدها الفكرية والجمالية والاخلاقية.  

وفي مجال التفاعل الأني الحي، مع الكتابات الاحتفالية الجديدة،نجد المسرحي الاحتفالي جناح التامي يقول: 

(نحن نحب جمالية الحياة، بمعناها الحقيقي، ونؤمن بالفصول الأربعة وبقوة المد والجزر.. لا نأتمن أبدا لأصحاب المصالح البائدة.. “نحن هنا الآن” لا أحد يكتشف معانيها إلا من مارس دخول البحر الهادئ والميت والأحمر والأبيض والمحيط والخليج، كلها بحار ومحيطات، لكنها محيطات للقروش والدلافين والحوت الكبير والأخطبوط الأبيض والأرزق والأسود والقناديل.. هكذا نحن، نعيش حريتنا في الخيال والواقع. فقط هو الموت برج يفرض نفسه، لكنه يدفعنا لنعيش.. لنصرخ.. لنقول الحقيقة.. لنبكي.. لنغازل وننافق.. ولنرسم في الكون أشكالا تشبه أفراحنا واحتفالاتنا وتعازينا.. ما أروع أن نعزي أنفسنا ونشرب نخبنا ونحن مؤمنين أن هذا العالم مقنع بأقنعة وبأشباح، ولا شيء حقيقي.. أو خالد وأبدي وسرمدي. تحياتي للجميع، رحلة وحيدة تنتهي بلباس بدون جيوب . وا فرحتاه يا الله! من غير هذه الوجوه؟).  

أما د. عبد الفتاح الشاذلي، والذي هو باحث هادئ ورصينة في مسرح وفي حياة المسرح، وهو باحث مسرحي لا يمارس النقد الموضعي والموسمي، ولكنه عالم فنان يتأمل الوجود الاحتفالي في خرميته واحتفاليته، وبالنسبة إليه فإن (الاحتفالية كينونه حية، لأنها شريان اجتماعي أصيل في حياة الإنسان).  

أما ذ، بوشعيب الضبار، فقد تفاعل مع هذه الكتابة الاحتفالية في تكريمه لروح الاعلامي والمسرحي الاحتفالي الكبير عمر سليم وقال: 

(الله يرحم الإعلامي والفنان عمر سليم، عاشق المسرح والسينما والموسيقى وكل فنون الحياة..شكرا جزيلا لك الأستاذ عبد الكريم برشيد على كلمتك في حقه.. وهو الذى آمن بالمسرح الاحتفالي، وكان مساهما فيه بإخراجه لنص من أشهر نصوصك الإبداعية المسرحية.  

وذ، عبد الإله ميموني، مسرحي من مدينة وجدة، شغوف بالبحث والتجريب والتجديد، ولا تخلو أية كتابة من الكتابات الاحتفالية من تفاعله ومن إبداء رأيه، وفي واحدة من هذه الشهادات، يقول: 

(سلام . 

مرحبا أستاذ الفاضل الدكتور عبد الكريم برشيد .. 

ورحم الله تعالى أستاذ عمر سليم وجميع موتى المسلمين.. آمين .. 

كفنان عبد الإله سوف أبدأ هذه الكلمات من الختام: 

أستاذ عبد الكريم برشيد ليس بـ”شيخ الزاوية ” الاحتفالية.. لأن غالبا ما يؤدي بنا “شيخ الزاوية” في واقعنا المعاش إلى الضلال والتيه والضياع..! أستاذ عبد الكريم برشيد هو “الربان” ربان سفينة هذه الاحتفالية والعيدية، والمتسلح بالمعرفة والتجربة والحكمة والحصافة والرصانة .. التجديد والإبداع .. المرونة والسيولة..الصفاء والنقاء .. البناء والبهاء .. وو.. 

وطبيعي هو المؤسس لهذا المشروع الفكري الجمالي الكوني الإبداعي.. ونحن كمثقفين، وفنانين، ومخترعين، من أهل النقد والإبرام ، ومن أهل الحل والعقد.. جميعنا تقع على رقابنا المسؤولية الفكرية والتاريخية.. التوجيهية والتبليغية والبلاغية.. اتجاه هذا الإنسان وهذه الإنسانية جمعاء.. 

وسوف أذهب بعيدا لأنني بكل تواضع لأقول:  

مرتكزات هذا الوجود الإنساني يختزل في ثلاثة أشياء: الله (سبحانه)، الكون، الحياة.. لكن الآن تأكد لي عبر التجربة والممارسة وبفعل الكتابة ثم الكتابة.. أن نضيف لهذه المرتكزات الثلاثة السالفة الذكر: الاحتفالية.. لأنها ببساطة نبراس إنساني جمالي أخلاقي إبداعي ووجودي.. وهو بمثابة البوصلة – طبعا بمزيد من الاجتهاد والبحث والتنقيب والتراكم المعرفي النقدي والإبداعي- التي سوف توجهه وتصل بسفينة هذه الإنسانية الضائعة والشاردة إلى بر الأمن والأمان .. السلم والسلام والهدى ونور الحق والعدل والطريق المستقيم نحو البارىء سبحانه.. شكرا جزيلا ..).  

وحسن عين الحياة، إعلامي ومسرحي ورسام كاريكاتوري، لا يخلو نفس من هذه الكتابات الاحتفالية من غير أن يقول كلمته، ومن بين شهاداته الصادقة، وعلى هامش الكلمة التأبينية والتكريمية في حق شهرزاد الحكي الاحتفالي ثريا جبران نجد الكلمة التالية:  

(يا سلاااااام… ما أجمل هذه الحفريات الأنيقة في مسار سيدة الركح المغربي.. فثريا جبران التي كانت في مقدمة المشهد الوطني، وكانت من الوجوه البارزة في الحقل الفني، كانت في الوقت نفسه بحسب الصديق حسن نجمي إنسانة بسيطة، عانت وامتُحنت، واختبرتها الظروف الصعبة، وعاشت لحظات عسيرة، ورغم كل ذلك، كانت تنتصر بفضل إخلاصها ونزاهتها ونقاء خياراتها..تحياتي السي عبد الكريم.. سلمت بُنيّات أفكارك).  

أما اخي نور الدين برشيد، والذي هو مناضل سياسي في حزب التقدم والاشتراكية، وهو شاعر زجال مفتون بالروح الوطنية، والذي هو إطار بنكي كبير، بالإضافة إلى أنه كان مديرا لكثير من الفنادق المغربية الكبرى، والتي يأتي على رأسها فندق المنصور بمراكش، وقاعة المؤتمرات التابعة، ولأنه يعرف مسار الاحتفالية، ويعرف مسيرة الاحتفالي فيها، فقد أعطى نفسه الحق لأن يقول عني الكلمة التالية:  (قليل الكلام غزير الإبداع، محب للحياة وللناس. لا يؤمن بالقوالب الجاهزة، وينشد حرية الفكر والأفكار، يرسم ببعض الكلمات صورا كاريكاتيرية غاية في الجمال والدقة لظواهر حياة الناس. متيم بحب وطنه، ولا يراه الا شامخا باختلاف وتنوع روافده. المسرح عالمه الفسيح والجميل منذ صباه، مسرح من أجل قضايا الإنسان هنا وهناك، بأسلوبه المتميز، يطاوعك في ذلك المامه وعشقه للغة الضاد. هذه بعض سمات عبدالكريم برشيد).  

أما محمد بن قدور من مدينة وجدة، والذي هو مسرحي شامل، برؤية إنسانية وكونية مفتوحة على التجربة والتجريب، فإنه لا يخفي أفكاره، وله تعليقاته التي تكشف عن تجربته المسرحية الواسعة والعميقة، فهو أحد الذين صنعوا مجد المسرح العمالي في تجربته الجديدة والمجددة والجادة، وفي إحدى إطلالاته الجميلة يقول:  

(الكاتب والاحتفال، كما المواطن والأديب، شخصيتان تمارسان مرحلة الترحال، يقودها الحس والوجدان، أي الميتا شخصية.. تتفارق وتتقارب مع ذاتها، تحمل ما يحمل مخيالها وما تتأمل فيه أفكارها، ويبديه لها ابدعها، وما تقوم به مراسيم الحفل بداخلها، وكل هذا يحضر في في خدمة القلم الذي يجسد الاحتفال).  

أما د. نذير عبد اللطيف، فله مع الاحتفالية والاحتفاليين رفقة وصحبة وعشرة طويلة جدا، وهو كاتب مسرحي، وهو ناقد وباحث وإعلامي وموثق ونقابي ومؤرخ مسرحي صادق، وبخصوص تكريم الاحتفالية في مهرجان تيفلت في دورته الثالثة يقول: 

(تكريم واستحقاق في محله لرجل أعطى للمسرح طعمه وذوقه، وارتقى به الى اعلى مدارج التألق والتميز والابداع. عبدالكريم قائد عصره وربان مساره، به عرف العرب والعجم إننا هنا، في هذه الرقعة من الوطن نتنفس المسرح ونهوى ونعشق أب الفنون ما أروعك صديقي وما أبهاك حين تزين فضاء أي مهرجان بحضورك الفعلي والرمزي هو ذا المسرح وهو ذا عبد الكريم)  

أما الاحتفالي الأفريقي والصوفي علي مهدي، والذي تعودنا أن نناديه مولانا علي مهدي، والذي قدم احتفالياته المسرحية في كثير من عواصم العالم، فإنه يقول بخصوص نفس هذا التكريم ما يلي:  (تكريم مستحق لمبدع وفنان ومفكر يضيف كل الأوقات للفكر الانساني ما يعزز أدوار فنون الأداء التمثيلية في مختلف الأوقات وبشكل خاص أوقات النزاعات)، وهو يقول هذا لأنه أوصل الاحتفالية المسرحية إلى دارفور والى كثير من بقع النزاع في افريقيا.  

وذ. عبد العزيز أبو شيار، شاعر بركان وصوت الشرق الشعري لا يفوت فرصة من غير أن يقول كلمته، والتي ينتصر فيها دائما لروح التجديد ولروح الحياة ولمنطق التاريخ والحق في الاحتفال والتعييد والفرح، وفي إحدى كتاباته يقول:  (خالد أنت باحتفالاتك وأعيادك وتعيش أزمانا متنوعة كأنواع الكرم والعنب التي يغار عليها دينوزوس.. والكون كله خشبة والأمكنة كلها ركح ينير للإنسانية طريقها نحو الفرح.. سرمدي أنت بإبداعاتك.. بوركت صديقي وأستاذي الغالي).  



أما صديقي الوهراني عبد الكريم غريبي، والذي تجمعني به كثير من القناعات ومن الاختبارات الفكرية والجمالية والأخلاقية، فإننا، في تفاعله مع مقالة (فعل التجريب بين التخريب والتهريب) نجده يقول:  

(إذا اصبح التجريب موضة مساحيق واقنعة شبقية تريد إنكار وطمس الوشم والكحل والعنبر والعيطة وطقوس الوجدان والوجود ولقاء الذوات والأرواح المحتفلة… فالتجريب يصبح كمن صلى دون وضوء أو كمن تاه في مدينة أشباح طائرة لا ينال صاحبها منها غير النزغ والمس…  

وأما د، مصطفى الكسواني، والذي هو طبيب مختص في الأمراض الجلدية، فإن له اهتمامات فكرية تتعلق بأمراض العصر، وبالتغيرات التي يمكن أن تحدثها الاختراعات المجنونة على حاضر ومستقبل الإنسان، وهو في احدى تفاعلاته مع هذه الكتابات الاحتفالية الجديدة يقول:  

(سؤال يطرح نفسه في زمن الأنترنيت و”الذكاء الاصطناعي” هل للاحتفال، كما عرفه أجدادنا، وعرفناه نحن بعفويته، وصداقة ومحبة بين الأهالي والأصدقاء له مستقبل؟ أم أن الحياة التي أصبحت تميل إلى الافتراضية والانعزال، حيت أن الإنسان أصبح يفضل البقاء في بيته، و يتواصل مع الآخرين عن بعد بواسطة ما يسمونه أدوات التواصل الاجتماعي. وهذا هو ما أصبحنا نراه في بعض الدول المتقدمة كاليابان وكوريا الشمالية. ربما قد أكون قد خرجت عن الموضوع، لكن سؤالي هذا أطرحه على عميد الاحتفاليين أخي وصديقي الدكتور عبد الكريم برشيد).  

هو سؤال وجيه بكل تأكيد، وهو يتعلق بمستقبل الحياة والحيوية ومستقبل الإنسان والإنسانية بمستقبل المدينة المدنية و بمسقبل العيد والعيدية وبمسقبل الاحتفال والاحتفالية، وأعتقد أنه لا يدوم الا الصحيح، وأن كل شيء يمكن أن يتبدل ويتغير في حياة الناس إلا غريزتهم الاجتماعية حاجتهم للتلاقي والتعييد والتعبير الجماعي عن الحس الجماعي وعن القضايا الاجتماعية.  

أما ذة. خديجة اهلان، والتي تشتغل علميا أكاديميا على المتن الاحتفالي تحت إشراف صديقنا الدكتور نور الدين الخديري فإنها تقول:  

(حفظكم الله أستاذي العزيز، شكرا لكم على تشجيعكم ودعمكم لنا، سعدت جدا بالاشتغال على نص من نصوصك المسرحية القيمة التي تبرز مدى اغتراب المثقف التنويري داخل مجتمع يسوده الظلم والاضطهاد… حفظكم الله ومتعكم بالصحة والعافية) ومجتمع يعيش المنفى والغربة والاغتراب فإنه لا يمكن ان يجد خلاصه إلا في الاحتفال وفي مجتمع الاحتفال. هذا عصر الاحتفال فاحتفلو.. احتفلوا.  

إن الاحتفالي إذن، كبير وخطير جدا، وبحسب هذه الخطورة، فقد كانت مسؤولية الاحتفالي فيه كبيرة وخطيرة أيضا، وكان مطلوبا منه بأن يكون في مستوى هذه المسؤولية، وأن يقوم بتنمية هذه الثروة الفكرية والجمالية، وأن يصونها، وأن يحافظ عليها، وأن يدافع عنها بشراسة وهذا هو ما فعلناه من قبل، وهو نفس ما نفعله اليوم، وهو ما سوف نفعله غدا، وما سوف نفعله في كل يوم. 

 ومرة أخرى يسألني ذ. بوشعيب الضبار، ودائما في نفس مجلة (العربي) السؤال التالي (هذا عصر الاحتفال فاحتفلوا.. احتفلوا.. من استجاب، ومن تخلف عن تلبية النداء؟) وبخصوص هذا النداء الاحتفالي، والذي جاء في البيانات التأسيسية الأولى في السبعينات من القرن الماضي، أقول بأن هذا النداء، والذي ساقه سياقه الفكري، وساقه مناخه السياسي، وذلك في زمن الحرب الباردة وفي زمن الايديولوجيا وفي زمن الأحلاف العسكرية وفي زمن الأفكار المجردة، هذا النداء، بالتأكيد هو ليس نداء أشخاص من الناس، ولكنه نداء الحياة، من أجل أن نحيا هذه الحياة بصدق وعفوية وبحرية وباستقلالية وبعقلانية،  

وهو نداء العصر أيضا، والذي هو عصر الفرح وعصر الحق في الفرح، وهو عصر التلاقي والحوار الإنساني، وهو عصر المدينة والتمدن الحضاري، بعيدا عن الغاب وعن شريعة الغاب، وبعيدا عن الحيوان المتنكر في زي الإنسان، وبعيدا عن الحوار اللاإنساني المدني، وفي الإجابة عن السؤال أقول:  

(هذه الدعوة أطلقها (الاحتفاليون) سنة 1976 أي منذ عشرين سنة كاملة، وكان ذلك في البيان الذي أسس المصطلح لأول مرة، وأخرجه للسوق الثقافية، هذا البيان أعدت نشره من جديد، وذلك سنة 1987 وذلك بمجلة التأسيس – دفاتر مسرحية. وأعتقد أن هذه الدعوة لم يستجب لها المسرحيون العرب فقط، وذلك لأنها – في عمقها – كانت أكبر واخطر من أن تكون دعوة تقنية فقط، ولا شيء سوى ذلك، فهي نداء للتاريخ المعاصر، وهي حوار معه بنفس لغته، وذلك من أجل أن يسترد وعيه، يستعيد حقيقته المضيعة، وذلك في زحمة النظريات والشعارات والمفرقعات الأيديولوجية، لقد أكدت هذه الدعوة (على) حقيقة سبقت زمنها، وهي ان هذا العصر هو عصر الاحتفال، ولقد سارت خطوات التاريخ – بعد ذلك – نحو الاحتفالية ونحو الحيوية والإنسانية ونحو الحرية.. إن سقوط جدار برلين هو أكبر انتصار للاحتفالية – الاحتفالية في معناها العام طبعا – كما أن انهزام الفكر الشمولي وسقوط أنظمته السياسية وافتضاح شعاراته كان أكبر استجابة تاريخية للدعوة الاحتفالية).  

إن الأساس في الاحتفالية هو انها حركة، وأن لهذه الحركة محرك روحي – فكري – وجداني، وأنها بهذا فعل للتقدم إلى الأمام وإلى الأعلى وإلى الأسمى وإلى الأبعد وإلى الممكن الآتي، وبهذا فقد كانت في حقيقتها مشروعا للتغيير والتجديد والتحديث وفي الناس، هناك من يمشي في الطريق، بطموح ان يصل إلي نهاية الطريق، والاحتفالي ليس من هؤلاء، وهناك من يمشي في الطريق، ويقنع بأن يبدأ السير في الطريق، ويفرح بالبدايات وحدها ولا يفكر في الذي بعدها، والاحتفالي أيضا ليس من هؤلاء، وهناك من يصل إلى نصف الطريق ويقف، معتبرها ان هذا الوسط هو اعز ما يطلب، وقدر الاحتفالي هو ان يمشي ويمشي، والا يلتفت إلى الخلف، وأن يكون مقنعا دائما بأن أجمل ما في الطريق هو السير في الطريق، أما الوصول الذي قد يعني نهاية الطريق، فإنه لا علاقة له بالاحتفالية ولا بالروح الاحتفالية.  

وفي هذا المسار الوجودي فإن علاقة الاحتفالية بالنقد والنقاد هي علاقة قديمة جدا، ومن حق أي كان أن يتساءل اليوم، ذلك الاختلاف – أو الخلاف – الذي كان معها، وكان مع تنظيراتها واختياراتها، وكان مع مواقفها الفكرية والجمالية والأخلاقية، هذا الاختلاف – الخلاف، والذي كان مزدهرا في عصر الاديويوحيا، أين وصل اليوم؟  

بالتأكيد لقد اصطدم بالباب المسدود، لأنه منذ البداية كان سيره في الاتجاه الخاطئ والممنوع.. 

وأين ذهب فرسان ذلك النقد الايديولوجي، والذي كان نقدا اتهاميا ممتلتئا بالشعارات اللفظية، وكان فارغا وفقيرا في مجال الفكر والعلم؟ 

وأين اختفى فقهاء ذلك النقد المدرسي الفقهي، والذي حرم فعل التنظير في التسعينات من القرن الماضي، واعتبره من مبطلات الوجود ومن مبطلات الحياة ومن مبطلات العمل المسرحي الحلال؟  

اليوم تصدر الاحتفالية بياناتها الجديدة، وتعطيها اسم (بينات كازابلانكا للاحتفالية المتجددة ) وتنشر كتابات على هامش البيانات، ولا تجد أي رد فعل، فهل مات النقد، او فقط ماتت فئة من النقاد، والتي هي فئة النقد المدرسي، والتي تقرأ الكتب المسرحية من غير أن تحيا الحياة المسرحية، وتنقل ما يقال ويكتب عن المسرح، من غير أن يكون لها ما تقوله هي عن هذا المسرح، واليوم تظهر أسماء جديدة في النقد المسرحي المغربي، سمتها الأساسية هو أنها تعمل في المسرح بدون عقيدة سياسية أو حزبية، وبدون أستاذية، وبدون عقدة مرضية، وبدون حساسية زائدة. المناضل الاحتفالي الوجودي يؤمن بأن النضال السياسي والحزبي له محترفوه، وبأن للفن والفكر والعلم رواد وحكماء وسحرة وفي هذه الكتابة التي يمارسها ويعيشها الاحتفالي، لم يسبق أبدا أن قال يوما بأنه سيحرر العبيد، وبأنه سيغير وجه العالم بجرة قلم، أو بجرة فرشاة على لوحة، أو بمجرد صورة في شريط سينمائي، ولم يقل، ولم يكتب، بأنه سيرفع الضعف عن المستضعفين، ولم يقل بانه زعيم أو أنه مصلح أو أنه شيخ طريقة أو أنه نبي في غير زمن الأنبياء.  

لقد كانت للاحتفالي دائما مناعة ضد الايدويوجيا، وضد الحزبية، وضد المذهبية الضيقة، وضد العشائرية، وضد الشللية، وكانت الشعارات الفارغة لا تقول له شيئا، وظل هذا الاحتفالي محافظا على أفكاره الخاصة وعلى اختياراتها الجمالية والأخلاقية، حافظ عليها بكل تأكيد، بعد أن اضاف لها في كل مرحلة من مراحل التاريخ لمسة جديدة، وبغير هذا، فهل كان ممكنا لهذه الاحتفالية ان تعيش نصف قرن.