،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
3 قراءة دقيقة
15 Aug
15Aug


بقلم: عبد الكريم برشيد

فاتحة الكلام  

في كتاب (البيانات الجديدة الاحتفالية المتجددة) والذي صدر عن الهيئة العربية للمسرح، يهدي الاحتفالي كتابه إلى الذين (يبدعون المسرح وهم يفكرون بالمسرح وفي المسرح.. وإلى المناضلين في صفوف الطليعة المسرحية العربية الجديدة.. وإلى الذين يؤمنون بحاجة المسرح العربي الجديد إلى نظام مسرحي جديد اهدي هذه التصورات النظرية الإبداعية الجديدة).  

وماذا يمكن أن يكون المشروع الاحتفالي، فكريا وجماليا واخلاقيا وسياسيا، سوى انه محاولة لإيجاد نظام مسرحي عربي جديد، نظام يقوم على الإبداع الفكري الجاد، ويقوم على البحث وعلى الاجتهاد وعلى نقد ونقض الكائن بحثا عن الممكن. 

واليوم، وفي ظل قرن آخر، وفي مناخ ألفية أخرى جديدة، هل تحتاج هذه الاحتفالية لأن تذكرنا، مرة بعد أخرى، بأن ما يهمها اساسا هو الإنسان، وأن اشرف وانبل كل الصناعات لديها هي صناعة الإنسان، وهي صناعة مدينة فاضلة جديدة لهذا الإنسان الجديد، وهي صناعة تاريخ مستقبلي جديد، وذلك لهذا الانسان المدني الجديد، وفي هذا المعنى يقول الاحتفالي (هذه الاحتفالية كانت دائما – وماتزال – مسكونة بهاجس التاسيس، ويبدأ التاسيس فيها ولديها من البسيط إلى المركب، وينطلق من المسرح-الفن ليصل المدينة الدولة، ويبتدئ من بناء الفرد، داخل المجتمع، إلى هندسة الإنسان، وذلك داخل كل خرائط العالم، وهو يزاوج بين الدنيوية والماورائي،، وبين الواقعي والحلمي، وبين التاريخي والاسطوري).  

ولأن فعل الاحتفال لا يليق إلا بالعاملين المجدين والمجتهدبن، فقد كان ضروريا ان يكون للاحتفال المسرحي الجديد، في فضاء هذا الزمن الجديد ما يستوجبه وما يستدعيه، وأن يكون له موضوعه، وأن يكون له مضمونه، وأن يكون له أفقه الذي يسير باتجاه، وفي معنى ضرورة وجودالعيد، والذي هو يوم استثاني وسط ايام عادية جدا، بقول د.عبد الفتاح ابطاني: 

(الاحتفال والاحتفال وليس غير الاحتفال.. 

تصور كيف تصير دون احتفال …) 

نعم، وهل يمكن تصور ايام بلا احتفالات وبلا أعياد؟ 

وكيف يمكن ان تكون هذه الأيام؟ 

وما معنى أن نعيش كما نعيش الآلة؟ 

وما معنى أن نجد هذه الآلة البشرية بدون حرية وبدون حس وبدون خيال وبدون فرح وبدون القدرة على السؤال، وأن تكون مجرد عجلات في ماكينة الوجود،تدور وتدور وتدور، بدون ان تعرف انها تدور، ولماذا تدور، ولا من أجل من، ولا في مقابل ماذا 

وفعل هذا الاحتفال هو مجرد لحظة وجودي عابرة، لحظة للسؤال الوجودي، اكائن انا ام غير كائن؟ وما المعنى، وما الجدوى، وما السر في أن اكون؟ 

وهل يمكن لهذه الكينونة ان تكون لها ابعادها الإنسانية والمدنية العامة إلا بالاحتفال الجماعي داخل الجماعة الانسانية المحتفلة والمعيدة؟ 

من كان يا ما كان في سالف العصر والأوان 

إلى كان يا ما كان في الآتي من الأزمان 

في المسرح نتذكر لنعيش، ونعيش لنتذكر شيئا قليلا من الماضي، ونتذكر اشياء كثيرة من المستقبا، لأن ما فات فات، والأجمل والأصدق منه دائما، هو ما هو سوف ياتي وما سوف يكون 

الفنان والاعلامي حسن عين الحياة يجد الاحتفال في فعل القراءة اللذيذة والممعتة، وفي هذا المعنى يقول، في تعقيبه على احد أنفاس هذه الاحتفالية الحرة ما يلي: 

(تحياتي وتقديري السي عبد الكريم… حينما أقرأ لك.. أحتفل.. ثمة كيمياء تتولد من كتاباتك ومن بنيات أفكارك.. دمت نبراسا للمسرح والمسرحيين.. مودتي الخالصة). 

والاحتفال الحقيقي لا يمكن ان يتحقق بدون انتشاء، وبدون طرب، وبدون فرح، وبدون وجد صوفي وبدون تصالح مع الذات ومع العالم.  

وللاحتفال معاني كثيرة ومتنوعة جدا، وقد تتعدد الأساليب بحسب الحالة والمقام، ولكن روح الاحتفال واحد،وفي المسرح يتم الاحتفال بالجسد في المسرح، ويكون هذا الاحتفال بكل لغات الجسد في لحظة عيدية استثنائية، وقبل هذا، هناك شيئ يمكن ان نسميه الاحتفال بالكتابة، والاحتفال بالقرأءة، وأن يستمتع الكاتب بالكتابة، وأن ينتشي القارئ طربا بفعل القراءة، والكاتب والباحث والفنان الصديق دعلاء عبد الهادي، يقول في أحد نصوص هذه الكتابة الاحتفالية ما يلي: (نص جميل وحوار ماتع 

أخي الحبيب 

دمت إنسانا في فنك ورؤيتك وفلسفتك في الحياة 

للناس نحتفل، ومع الناس نحتفل)نعم، للناس نحتفل، حبا فيهم، وتضامنا معهم، وانحيازا إلى قضاياهم، واجمل الاحتفال هو الذي يكون مشتركا ومقتسما. 

وهذه الاحتفالية، في فكرها وفنها، وفي علمها وفقهها، وفي فلسفتها، وفي منهجيات اشتغلها الفكري والجمالي قد تغيرت بلاشك، وذلك لأنها، في حقيقتها مجموعة كبيرة من التغيرات ومن التحولات ومن المنعطفات ومن المراجعات، ويمكن للمتتسائل ان يتساءل اليوم، هذا المسار الوجودي الحي والمتحرك، هل واكبته رؤية نقدية حية متحركة؟ هذا سؤال نتركه لمولانا التاريخ ليجيب عنه غدا أو في يوم من الأيام او في عام من الأعوام. 

من المسرح الاحتفالي إلى الفكر الاحتفالي  

والاحتفاليون في الأسرة الاحتفالية، هما (رجلان) اثنان، الأول احتفالي بالتوقيع وباللسان، والثاني احتفالي بالفكر وبالإبداع وبالوجدان، ومع البيان السابع، تم الانتقال من مسرح جماعة مغربية محدودة، إلى مسرح مجتمع إنساني وكوني لا تحده الحدود ثلاثون سنة إذن، مرت اليوم على تلك النقلة التاريخية، من المغلق الى المنفتح، ومن المحدد والمحدود والنسبي إلى المطلق، ورغم ان الاحتفاليين، في بينهم السابع، قد استغنوا عن خدمات كلمة الجماعة، فإن كثيرا من النقاد مازالوا يتحدثون ويكتبون عنها، مع انها كانت مجرد لجنة تحضيرية بمهام مؤقتة، وذلك لبناء الفلسفة الاحتفالية، وعندما وقفت هذه الاحتفالية على قدميها، فقد كان ضروريا ان ينسحب الاحتفاليون المؤسسون إلى الخلف، وأن يتركوا هذه الاحتفالية تقدم نفسها بنفسها، وتعبر عن نفسها بنفسها. 

من الجماعة المغربية إلى المجتمع الإنساني والكوني  

في إطار التعقيب على الكتابات الاحتفالية الجديدة، يقول المخرج المصري محمود زكي ( ألف ألف مبروك للصديق الغالى د. عبد الكريم برشيد، والذى أتشرف بأننى أول من قدمه للمسرح المصرى، عندما أخرجت رائعته..فاوست والأميرة الصلعاء..والتى حصلت بها على دبلومة الدراسات العليا فى الاخراج، وكان معى من الممثلين طلبة المعهد خالد النبوى (الذى اختاره يوسف شاهين بعد العرض لبطولة فيلم المهاجر) وعمرو عبد الجليل وعلاء مرسى وسليمان عيد وهشام جمعه وناصر شاهين وجلال عثمان.  

وبالمناسبة فإنني احيي هذا المخرج المسرحي الرائد، والذي قدم للمسرح المصري والعربي كوكبة كبيرة من الممثلين ومن المخرجين المجتهدين، والذين ساهموا كلهم في التعريف بالتيار الاحتفالي على مستوى مصر وعلى مستوى العالم العرب يقول الاحتفالي، لكل من يهمه الأمر، انظر خلفك، فهذا من حقك، ولكن من غير ان تلتفت، وعليه، فإنه ليس من حقك، ولا من حق الحقيقة ان تدير وجهك، وندير كل عقلك إلى ذلك الذي كان في سالف العصر والأوان، وحاول ان تحيا حياتك في اللحظة الحقيقية الحية الآن هنا. وان تعرف دائما، كل ذلك الذي كان، في ذلك الزمن الذي كان، ولكن من غير ان تنسى انت من انت، ولا أين أنت، ولا مع من انت، ولا في اي زمن انت، واعلم ان المطلوب منك هو أن تؤسس الممكن الجديد، من غير ان تنسى ذلك الفكر المؤسس في القديم، والذي له وجود في الذاكرة وفي التاريخ ، والذي هو صور ولا شيء أكثر من ذلك، ولكنها الصور الحية في النفوس وفي العقول وفي الأرواح الحية.  

وهذا الاحتفالي، العابر في الزمان، والذي له اقامات متجددة في المكان، هو الذي قال أيضا، من حقك أيها الناظر أن تنظر إلى الخلف، ولكن في المرآة الموجودة أمامك، او الموجودة داخلك، ومن خلال هذه المرأة حاول أن تعرف انت من انت، وأن تعرف أيضا انت مع من انت، وأن تعرف في اي زمن انت، وأن تعرف من أين اتيت، وإلى أين ذاهب.  

ولعل هذه القناعة هي ما يجعلني اليوم انظر إلى الاحتفالية في مرايا الذاكرة وفي مرايا التاريخ، وانني في هذه الرؤية الحية المتحركة استعيد ذلك الزمن الذي كان، من غير ان أعود اليه، وانني اليوم اعيد قراءة مسار البيانات الاحتفالية، من أجل أن أقف على المنعطفات والمتغيرات والتحويلات في خط سيرها التاريخي، وكل هذا من أجل أن أعرف عدد الخطوات التي خطوتها في طريق الاحتفالية السيار، والذي له نقطة بدء في الماضي الذي لا يمضي، والذي له أفق مفتوح على الآتي ومفتوح على المستقبل الممكن الوجود. 

من بيان الاحتفاليين إلى بيانات الاحتفالية  

وما قد لا يعرفه الجميع، هو أن بيانات الاحتفالية، والتي يتبع بعضها البعض، إن هذا التعدد يفيد التجددد ولا يعني التكرار والاجترار، وكل هذا من غير ان تشبه هذه البيانات بعضها البعض، ذلك لأن لكل بيان حياة ودورة حياة، وله مناخه الخاص، وله لغته او لغاته، وله رسالته إلى الناس، وله مسائله وقضايا الفكرية فيه، وكل هذا في إطار الاستمرار المتجدد مع القطيعة الموضوعية والمؤقتة، اي الاستمرار في نفس المسار، والثابت على الثوابت المبدئية التي لا يلحقها التقادم، والقطع والتغيير أيضا في المتغيرات وفي الشكليات البرانية، وليس في الجوهريات الجوانبة، ونعرف ان تلك البيانات الأولى، والتي حملت اسم ببانات (جماعة المسرح الاحتفالي) والتي هي بيانات مرقمة ومرتبة، من الأول إلى السابع، وهي كلها تحمل اسم (بيان جماعة المسرح الاحتفالي) وهي في الأصل ستة، تحمل نفس الاسم، اما البيان السابع فمتختلف، في الاسم، وفي الأهداف، وفي الطموح، وفي فلسفة الوجود، وفي فلسفة التاسيس للوجود، وفي هذا البيان السابع الاحتفالي تختفي كلمتان اثنتان من الاسم (القديم) وهما كلمة جماعة وكلمة مسرح، مما يدل على أن الفعل الاحتفالي أصبح مستقلا بذاته، وانه أصبح اكبر من أسماء واكبر من فنون المسرح اولا، وأصبح ايضا أخطر من طموع جماعة من المسرحيين، محدودة ومحددة في الزمان والمكان، وفي ذلك البيان الاحتفالي الذي صدر صبيحة يوم الخميس 24 يوليوز من سنة 1997 بمدينة سلا، وعن ذلك اللقاء الذي صدر عنه يقول الاحتفالي (ولعل الشيء الجديد في هذا اللقاء الجديد، هو أنه لا يتمحور حول جماعة تسمى جماعة المسرح الاحتفالي، ولكنه يتمحور حول الاحتفالية، اولا كنظرية فكرية، وثانيا كرؤية جمالية، وثالثا كتاريخ، و كجزء اساسي وحيوي من تاريخ المسرح المغربي والعربي، وفي الأوراق الأولى، من هذا البيان السابع، تتم الإشارة إلى هذا التغيير، والذي يتمثل اساسا في الاسم، وما يمكن ان يعنيه ذلك وما قد يوحي به).  

هناك رفض متبادل، بين الاحتفالية والواقع، بين عيدية هذه الاحتفالية الحالمة والمنفتحة وبين واقع كابوسي وماتمي جامد ومغلق ومحدود، وفي هذا المعنى يقول الاحتفالي: 

(إن هذه الاحتفالية – في معناها الحقيقي – رفض متبادل، لقد رفصت واقعا متخلفا، وكان ضروريا ان يرفضها هذا الواقع المتخلف وأن يتنكر لها.  

لقد أنكرت للكائن، انحازت للممكن، وبذلك فانها الآن تعيش وضعا سيزيفيا نبيلا، محاصرة بين قدرة محدودة وارادة بلا حدود 

احتفالية لعالم احتفالي.  

هناك رفض متبادل، بين عيديتها الحالمة منفتحة وبين واقع كابوسي وماتمي مغلق، وفي هذا المعنى يقول الاحتفالي (إن هذه الاحتفالية – في معناها الحقيقي – رفض متبادل، لقد رفصت واقعا متخلفا، وكان ضروريا ان يرفضها هذا الواقع المتخلف وأن يتنكر لها.  

لقد أنكرت للكائن، وانحازت للممكن، وبذلك فانها الآن تعيش وضعا سيزيفيا نبيلا، محاصرة بين قدرة محدودة وارادة بلا حدود) 

الاحتفالية. 

من الجماعة المسرحية إلى الجامعة الفكرية  هذا البيان الاحتفالي السابع، خالف كل البيانات الست السابقة، كونه لم يصدر في الربيع، وعلى هامش الاحتفال باليوم العالمي للمسرح، والذي يصادف اليوم السابع والعشرين من مارس من كل سنة، و(صدور هذا البيان الجديد يقترن هذه المرة – ولأول مرة – بحدث تاريخي كبير، حدث يمثله انعقاد الأيام الفلسطينية بالمغرب، ومثل هذا اللقاء لا يمكن ان يكون صدفة عارضة، فهو اختيار له معناه، وله قصديته القريبة والبعيدة معا).  

الاحتفاليون إذن شيء، وجماعة المسرح الاحتفالي شيء آخر، وليس من المنطقي ابدا ان تحتكر جماعة في المغرب لوحدها كل الفلسفة الاحتفالية في العالم، كما أن الأصل في الاحتفاليين هي حريتهم دائما، وهي تلقائيتهم، وهي شفافيتهم، وهم بهذا اكبر من حزب وهم اكبر من جمعية، وهم اكبر من هيئة، وبهذا يكون الأساس الحقيقي في الاحتفالية، ليس هو الجماعة المسرحية ولكنه المجتمع الإنساني والكوني. 

الاحتفالية  إن الاحتفال لم تصنعه جماعة معينة في التاريخ، ولكنه ذلك الحدث الاستثنائي الجميل فالحياة، والذي اكتشفت المجتمعات عبر مساراتها الوجودية في التاريخ، وبهذا فقد أمكن أن نقول ما يلي، إن دور الجماعة في المسرح الاحتفالي، قد كان دورا مؤقتا وعابرا، ولم تكن تلك الجماعة الرائدة والمؤسسة مطلوبة لذتها، فهي مجرد لجنة تحضيرية لتأسيس تيار فكري وجمالي وأخلاقي جديد، وعندما تأسست الدعائم الفكرية والجمالية لهذه الاحتفالية، فإن وجود تلك اللجنة التحضيرية لم يعد لازم كما كان.  

وهذه الاحتفالية، وكما يقول عنها الاحتفالي في كتابه (كتابات على هامش البيانات) والذي صدر سنة 1999(أردناها ثورة شاملة، وفهمت على اساس انها ظاهرة عابرة، ولا شيء أكثر من ذلك.  

أردناها حركة معرفية وجمالية وأخلاقية وحضارية عامة، ولكنها فهمت على اساس انها مجرد شطحات فقط، شطحات اسماء تسعى للتميز والتفرد وحب الظهور).  

أيمكن أن نتبين ان الاحتفالية مسيرة ومسار، وانها أفكار تجددت، وانها حياة واحدة، ولكن باعمار كثيرة جدا، وهذه الاحتفالية في عمرها الجدي أصبح اسمها (الاحتفالية المتجددة).