،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
07 Jan
07Jan

  بقلم: المصطفى روض 

العنف الرهيب الناجم عن الجريمة المنظمة و الإتجار بالمخدرات تطور بشكل كبير لدرجة بات يتماهى في الحياة اليومية على امتداد أمريكا اللاتينية و الولايات المتحدة. فالمآسى الاجتماعية و أعداد القتلى التي يخلفهما هذا النوع من العنف اليومي، سواء في المناطق المنتجة للكوكايين أو في مناطق العبور وسط أمريكا التي ينقل منها إلى الولايات المتحدة، لم تعد مجرد صور أو أخبار تتناقلها يوميا مختلف وسائل الإعلام السمعية و المرئية و المقروءة، بل تحولت إلى موضوع للإبداع الثقافي و الأدبي. فصاحب جائزة نوبل للآداب عن رواية مائة عام من العزلة، "غابرييل غارسيا ماركيز"، له كتاب تحت عنوان "خبر اختطاف" يشخص فيه أوضاع الانفلات الأمني و مستويات العنف الذي تحدثه الجريمة المنظمة في بلده كولومبيا. 

و في المكسيك أنجز الكاتبان، "ماريا إيداليا غوميث"، و "داريو فريتز"، كتابا بعنوان "الموت في الجيب" عام 2005، تضمن ست قصص تاريخية رهيبة التي تحكي عن الولادة الأخيرة للعنف الناجم عن الجريمة المنظمة. و في كولومبيا، سبق أن بث التلفزيون مسلسلا تحت عنوان "الكارتيل" يعكس حياة و ممارسات "الشخصية الإجرامية" المرتبطة ببارونات المخدرات، و قد ترك آثارا كبيرة في نفوس المشاهدين في عدة أطار لاتينية. فيلم "ترافيك" للمخرج، "ستيفن سوديرييغ"، و الذي مثل فيه كل من "بينيسيو ديل تورو" و "مايكل دوغلاس"، حيث يسرد بالصورة السينمائية الوقائع الرهيبة لأشكال الأعمال الإجرامية الأكثر خطورة في عالم اليوم. 

و المكسيك الذي تربطه علاقات اقتصادية قوية مع جارته الولايات المتحدة، حيث تصل نسبة المبادلات التجارية بينهما إلى 80 بالمائة، تحولت معظم مناطقه، و خاصة الشمالية، إلى بؤر للجريمة المنظمة و التي تعمل العصابات الممارسة لها على مواجهة رجال الشرطة و قوات الجيش مستخدمة أسلحة جد متطورة، و في كل مرة تحصد الأرواح بالعشرات و هي لا تستثني لا المواطنين المدنيين و لا العناصر العاملة في مختلف الأجهزة الأمنية و العسكرية و القضائية. لقد أصبح هذا البلد يحتل المرتبة الأولى في ما يشهده يوميا م وقائع و مآسي الغجرام المنظم، و الناس، خصوصا في الشمال، يشاهدون تقريبا كل يوم المواجهات التي تندلع بين عصابات مافيا المخدرات و قوات الجيش بتنسيق مع رجال الشرطة. 

و هناك أيام سوداء كان يعثر فيها السكان على جثث و أيادي و رؤوس بشرية مقطوعة  مرمية في الخلاء أو الطرقات، ما كان يخلف نذوبا عميقة من الحزن في نفوسهم لما وصلت إليه الأوضاع الأمنية من انفلات رهيب لم يعد للدولة أية قدرة على مواجهتها و سحقها كما واعد بذلك رئيس الجمهورية "فيليبي كالديرون" قبل سنتين. 

و هناك ثلاث أحداث تتقاطع مع كرونولوجيا الرعب المنتشر في المكسيك تؤشر على المدى الخطير الذي أصبحت من خلاله عصابات الاتجار بالمخدرات تتحكم في انشطتها غير المشروعة بواسطة العنف نسردها فيما يلي:  

- الأولى وقعت في 15 شتنبر 2008 عندما هاجمت عصابات بارونات المخدرات في الشمال الأمهات و الآباء و الأطفال بالقنابل اليدوية مخلفة وسطهم عدة قتلى و جرحى كعقاب لهم على تبليغهم بالأنشطة غير المشروعة لهذه العصابات. 

- و الحادث الثاني وقع يوم الثلاثاء 4 فبراير من نفس السنة عندما سقطت طائرة مروحية من نوع "جيت 45" بالعاصمة مكسيكو، كان على متنها وزير الداخلية رفقة أربعة مسؤولين آخرين، و كلهم ماتوا دفعة واحدة في الحادث المأساوي الذي خلف مقتل 18 شخصا في المجموع. 

- الحادث الثالث وقع اواخر شهر يوليوز من نفس السنة كذلك، عندما ضبطت الشرطة البحرية، في اكتشاف غريب من نوعه، غواصة محملة بستة أطنان من مادة الكوكايين، و اعتقلت الأشخاص الذين كانوا يركبونها. هذه الوقائع الثلاثة، يعتبرها الخبراء في المكسيك دالة على التطور الحاصل في أساليب ممارسة الجريمة المنظمة و على خطورتها على المستقبل الأمني للشعب و الدولة. 

فالحادث الأول، هو نموذج واحد مما يستهدف المواطنين العزل الذي تعرضهم عصابات المخدرات للتنكيل و القتل دون تمييز فيما بينهم، و هناك حصيلة كبيرة من هؤلاء الضحايا بينهم فنانون و صحافيون و مواطنون  عاديون.. حيث بسهولة مطلقة تلجأ إلى تحويل حياتهم إلى حمام من الدم و لو في عز خطط الحماية الحكومية التي يشرك فيها الجيش في حرب  تمرغ فيها هيبته لعجزه عن دحرها و سحق تلك العصابات. 

أما الواقعة الثانية و الثالثة، تؤشران على القدرة الفائقة للاستعمال التقني و التكنولوجي الذي باتت تتوفر عليها هذه العصابات، حيث في حالة الغواصة المحملة بالكوكايين ذهلت السلطات الأمنية من توجيهها بواسطة الأقمار الصناعية. 

و بخصوص سقوط الطائرة، احتملت الحكومة، بتردد شديد، أن يكون وراءه عطب تقني، فيما كل الأحزاب السياسية و منظمات المجتمع المدني و مختلف وسائل الإعلام المسموعة و المرئية و المكتوبة، دفعت بفرضية وجود مخطط مدبر من قبل عصابات المخدرات، بل إن بعض الوسائل الإعلامية تحدثت عن "صيد ثمين" باستهداف، "خوسي لويس فاسكونسيلوس"، المسؤول الذي نوفي رفقة وزير الداخلية على اعتبار أنه يشكل رأس الحربة في الجهاز الحكومي المكلف بمحاربة مافيا المخدرات منذ 20 سنة، و يعود له الفضل في تفكيك و تدمير مجموعة منها لكونه يعد أشهر خبير في مجال مقاومة الجريمة المنظمة، فضلا عن تكليفه من قبل رئيس الجمهورية بمهمة إصلاح جهاز القضاء، كما في الكتابة التقنية لتدبير الإصلاحات الدستورية حول الامن و العدالة التي أجازها البرلمان في أبريل من سنة 2008. 

في هذا السياق، أشارت صحيفة "إل أونيفرسو"، في موقعها بالإنترنيت، إلى هذه الشهادات، منها ما قالته سيدة مالكة لمحل لبيع الورود عاينت سقوط الطائرة المذكورة، إذ عن محاولة الاتصال بهاتفها النقال، "تيلسيل"، وجدته معطلا و بدون حرارة؛ فاستعملت هاتفها النقال الثاني، "نيكستيل"، لكنه هو الآخر كان معطلا. 

و سبق له ان تعرض للعشرات من عمليات القتل، كان يفلت منها بأعجوبة، غير أن القول  بسقوط الطائرة له علاقة بمخطط لتصفيته جسديا، تشير إليه تحليلات و تنبؤات الخبراء المكسيكيين الذين استندوا على بعض الشهادات التي تبدوا معزولة، لكنها تؤشر  على وجود مثل هذا المخطط. 

هذه الشهادة تطابقت مع العديد من الشهادات المماثلة لعدة أشخاص كانوا في مكان سقوط الطائرة، و ضمنهم كاتب الشؤون الثقافية بولاية "بويبلا" أليخاندرو مونتيل و الذين أقروا بوجود هواتفهم معطلة بعد سقوط الطائرة. 

هذا الأمر الغريب هو ما جعل الخبراء يعتقدون أن الطائرة كانت هدفا لهجوم بواسطة سلاح يطلق عليه علامات كهرومغناطيسية ذات قوة عالية، تسبب في تعطيل أجهزة الحاسوب و الهواتف النقالة و كل أنواع الأجهزة الاليكترونية، مؤكدين، أن هذا النوع من الأسلحة موجود فقط في شرق أوروبا و في منطقة الشيشان حيث كان يستخدم ضد الطائرات الروسية. 

إذن، دلالة هذه الأحداث الثلاثة مؤشر قوي على ثلاثة عناصر خطيرة، من جهة أولى التحكم في مصير المجتمع المكسيكي و ترهيب مواطنيه حتى لا يتعاونون مع السلطات الأمنية بما يخلفه هذا الترهيب بواسطة العنف المسلح و الجريمة المنظمة و التي خلفت في السنوات الأخيرة 8 آلاف قتيل، ما يزيد عن نصف هذا العدد سجل في السنة الحالية (2009)؛ من جهة ثانية، الاستخدام المتطور للتكنولوجيا سواء في أنشطة الاتجار  بالمخدرات و بوسائل نقلها، أو في ممارسة العنف المنظم ضد الدولة و المجتمع؛  و من جهة ثالثة، و هو ان هذه العصابات قد تشجع المنظمات الإرهابية، مثل القاعدة و شبكاتها الممتدة في عدة مناطق عربية و غربية من الاستفادة من أساليبها المتطورة في العنف المنظم و من استخدامها للتكنولوجيا العالية الشيء الذي سيضاعف من محنة المجتمعات البشرية و من التأثير في الديمقراطيات الفتية كما يحدث في حالة المكشيك التي أصبحت فيها مختلف المؤسسات المنتخبة بشكل ديمقراطي و نزيه عاجزة عن حماية امن الدولة و أمن المواطن الذي يؤذي ثمنا غاليا من حياته و حياة أسرته و مجتمعه.

مصدر "الاتحاد الاشتراكي" سنة 2009