،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
17 Jun
17Jun

دعوة إلى ربط السياسة بالأخلاق


المصطفى روض

في سنة 1997 برز المناضل الاتحادي، آنذاك، محمد حفيظ في الساحة السياسية من خلال إعلانه الرفض القاطع للظفر بمقعد برلماني كان سيوفر له دخلا شهريا في حدود 3 ملايين سنتيم. و السبب يكمن في أنه لم يفز بتاتا بذلك المقعد بقدر ما منحته له السلطات في إطار عملية التزوير لتدجين و استقطاب بعض اليساريين ضدا على التباري النزيه و الشفاف و هو سلوك يتنافى مع الإرادة الشعبية و مع قواعد الديمقراطية، فقام المناضل حفيظ بالتمرد على سلوك السلطة المفضوح مما ترك أثرا هاما وسط النخبة اليسارية النزيهة و الحرة. يومها كتبت مقالا في الموضوع نشرته صحيفة الاتحاد الاشتراكي نصه فيما يلي:

 قرأت بتأن رسالة الأخ محمد حفيظ الموجهة إلى الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي الأخ عبد الرحمان اليوسفي و التي يعلن فيها بقوة رفضه المطلق بأن يكون برلمانيا مزورا ردا على الفوز الممنوح له من قبل السلطة كهبة منها، بعد أن اغتصبته من الفائز الحقيقي،  استشعرت خطورة موقفه من جهة و من جهة أخرى، المداليل السياسية العميقة لرسالته، الظاهر منها و الخفي.. فبالنسبة لموقفه المعلن، فهو جديد كل الجدة لأن المغرب عرف في كل الانتخابات التشريعية و البلدية تدخل الإدارة لممارسة التزوير بمختلف أشكاله و ألوانه، مما أدى إلى مصادرة الاختيار الشعبي الحر، و فرز نتائج لا علاقة لها بإرادة الشعب، كانت في كل تجربة انتخابية تطبخ وفق مزاج الحزب السري الذي كان يمنح ضمن منظوره "الكوطوي" نسبا معينة من المقاعد البرلمانية لمرشحين في أحزاب الصف الوطني التقدمي، و مع ذلك، لم نلحظ أية ردود على هذا المنطق الذي اعتمد من أجل تشويه سمعة هذه الأحزاب من جهة، و من جهة أخرى، إغرائها لكي تتقدم نحو الإدماج و التكيف مع اللعبة السياسية كما هي مرسومة سلفا، لا كما تقتضيه قواعدها الديمقراطية.

 و بدل الكشف و تعرية هذا المنطق، كان لسان حال بعض مرشحي الأحزاب الديمقراطية يقول "المقاعد المزورة لنا، أفضل من أن تكون لغيرنا من أحزاب الإدارة"!؟ لكن حفيظ، و هو المناضل البسيط، لم يركن إلى الصمت، و رفض أن يتلقى دروسا في إعمال العقل البراغماتي؛ و أن يجتمع بين راتب 3 ملايين سنتيم شهريا التي يوفرها له المقعد الوثير و المريح، و بين "أدائه النضالي" داخل قبة البرلمان بغض النظر عن الفوز الممنوح و المزور (!؟) لانه اعتبر عن صدق و إخلاص، أن هذا المقعد البرلماني الممنوح له هو مصادرة لحق ديمقراطي من قبل عناصر في السلطة طبقت التعليمات كما تلقتها. 

لا يجوز، في نظره، ان يعبث بأصوات الناخبين حتى و لو كانت هذه الأصوات لفائدة مرشحي أحزاب الصف الوطني الديمقراطي، لأن هؤلاء هم أول من يجب أن يدافع عن النزاهة و الشفافية و الديمقراطية فكرا و ممارسة. و هنا تكمن خطورة موقف حفيط على مثل هؤلاء المرشحين الذين فازوا سابقا بمقاعد مزورة.

 و في انتخابات 13 يونيو و 14 نونبر، منحت لهم مرة أخرى مقاعد مزورة فالتزموا الصمت. و إذا كانت رسالة حفيظ موجهة للجهات المتنفذة، مدينة تدخلها.. فإنها، في نفس الوقت، موجهة إلى المرشحين المشار إليهم، و إلى أحزاب الصف الوطني الديمقراطي لكي تحصن موقفها من عمليات التزوير كيفما كان شكله، و كيفما كانت الجهات التي تمارسه، لأن الديمقراطية كل لا يتجزأ، و التشبث بها كاملة يعيد للأحزاب الديمقراطية مكانتها وسط الجماهير الشعبية.

 الاقتداء بالموقف الصريح و الديمقراطي الشفاف الذي أعلنه الأخ محمد حفيظ ليس تبعية لسلوك نرجسي أملته أحلام ثورية لشباب ينتمي إلى الشبيبة الاتحادية التي يرى فيها البعض مجرد واجهة لتسخين الصراع وفق آليات و خطط منفلتة، و إنما هو تطابق و استلهام و تمثل لتراث و فكر شهداء الحزب، و على رأسهم المهدي بن بركة و عمر بن جلون اللذان كان يربطان المبدأ بالممارسة و الأخلاق بالسياسة.


كما تكمن خطورة موقف الأخ حفيظ، في أن رفضه للفوز الممنوح قد أعلنه في ظرفية تجردت فيها السياسة من الأخلاق، و أصبحت الهوة بينهما شاسعة، لدرجة أن السياسة باتت مرتبطة بمنظومة قيم جديدة سائدة منزوعة من القيم الأخلاقية التي كانت وحدها تغذي حركة النضال السياسي و الاجتماعي بروح الحماسة و الديناميكية.

 و لذلك، فإن موقفه جاء لخلخلة هذه المنظومة السائدة من القيم التي انتشرت بقوة داخل المجتمع و وسط نخبه الثقافية و السياسية حتى غدا الناظم لخطاب و ممارسة الجزء الكبير منها، هو النهج البراغماتي الذي غالبا ما يتم التذرع به تحت عناوين "العقلانية و "الواقعية".. و ما إلى ذلك من العناوين التي انفلتت من سياقات ثقافية لمجتمعات مغايرة. 

أما المداليل السياسية التي حملتها رسالته، فلا تنحصر فقط فيما هو مباشر، بل فيما يضمره، و هو ما يجب على أحزاب الصف الوطني الديمقراطي أن تستنبطه من خلال نقاش صريح مع الذات، لأن من بين الدلالات الجوهرية للرسالة هي أن الذات هي المنطلق الأساسي للسلوك الديمقراطي الذي يحمي الديمقراطية من القوى المتربصة بها لإجهاضها كلما تعلق الأمر بتجربة انتخابية. و على هذا الأساس، فتحصين الذات، سواء ذات المناضل، أو ذات الإطار الحزبي، خطوة ضرورية لإصلاح الأوضاع التنظيمية و لإعادة النظر في التكتيكات المتبعة و في طريقة التعامل مع الجماهير الشعبية على أرضية الالتزام المطلق بحقوقها و قضاياها، و من أجل تأطيرها و قيادتها لخوض معاركها الديمقراطية المصيرية. 

و هناك دلالة أخرى في رسالة الأخ حفيظ، و هي أنها لم تأت من مناضل شب في النضال حتى شاب عليه، و إنما من شاب متشبع بقيم النضال الديمقراطي و المتوهج حماسة من أجل تحقيق أهدافه. و رسالته تتضمن ذلك الموقف المشترك الذي يوحد الشبيبة المغربية المناضلة إزاء عمليات الإفساد و التزوير. و بهذا المعنى، فإن الرسالة عندما وجهت إلى الأخ عبد الرحمان اليوسفي، فليس فقط لكي ينظر و يتدارس المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي في نازلة التزوير و الإساءة للحزب، بل بالإضافة إلى ذلك، فهي رسالة من جيل الصغار إلى جيل الكبار يريد أن يطمئنه على أن المستقبل الديمقراطي في المغرب سيكون فيه تيار الشباب حاضرا في بنائه و في وضع أسسه المتينة. لذلك، فإن حكمة الكبار، الشهداء منهم و الأحياء، ستكون وراءها حماسة الشباب التي دشنها بإخلاص المناضل حفيظ من أجل تخليق الممارسة النضالية في الحياة السياسية و المجتمعية

المصدر: الاتحاد الاشتراكي 28 مارس 1997