،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
2 قراءة دقيقة
19 Aug
19Aug

     نهر أم الربيع: تاريخ مجيد.. و حاضر وئيد..


بقلم: المصطفى روض

كيف يستطيع الصمت أن يتحول إلى سيمفونية تنصت لها الذات بشغف كبير و بمتعة لا حدود لها. هكذا وجدت نفسي حيال صمت مدينة أزمور الذي يسكن أبراجها  و أسوارها، أضرحتها و بيوتها العتيقة، زواياها و نهرها أم الربيع... وحده هذا الصمت، كان يعطي للمدينة المبرر الكافي للزوار كي يسافروا إليها هربا من متاعب و ضجيج مدنهم الكبرى. فمن يرغب في رؤية الآثار التاريخية، أو في رؤية الأضرحة و الأبراج، أو في رؤية نهر أم الربيع، لا بد و أن يكتشف أن الفضاء الوحيد لهذه الأمكنة هو الصمت. و الصمت بهذا المعنى، لغة تأخذ شكلها الهادئ الذي يجنب الذات و يبعدها قليلا، من أسر اليومي و المألوف. 

و هذا الصمت لا يكتمل كفضاء يغري الذات، إلا بوجود تلك الأسراب من طيور النورس التي تتراءى فوق سماء المشهد النهري و كأني بها تتراقص على الصدى الهادئ لسيمفونيته و هي تتوجه صوب مفترق الطرق المائية حيث يوجد المصب النهري على بعد ثلاثة كيلومترات في مدينة أزمور. هذه المدينة التي يحضنها هذا الصمت النوعي بقوة، تبدو أكثر المدن اغترابا، و لأنها تنتمي إلى التاريخ المنسي، و هي التي كانت حاضرة في عز حركته و متألقة فيه، و للتاريخ حكايات طويلة مع هذه المدينة طافحة بالأمجاد و البطولات تؤكد على الأدوار الكبيرة التي لعبتها في محطات تاريخية مختلفة لصالح الدولة و استقلال الأمة... فلماذا تركت راهنا تتمرغ في مستنقع الإهمال، وحيدة و مغتصبة في قيمتها التاريخية و النسيان يعقم خصوبة الحياة الاقتصادية و الاجتماعية فيها و يطفئ منبعها الأصلي (نهرها أم الربيع) كما يسحق وجهها المضيء الذي نسجت شكله الأسطوري المآثر التاريخية التي نهشها التآكل زمنا طويلا و ألحق بها أضرارا بليغة شوهت معالمها...؟ مدينة أزمور، كما هو معروف، توجد على الضفة اليسرى لنهر أم الربيع قريبة من مصبه على بحر المحيط الأطلسي فوق هضبة قليلة التضاريس و في علو معدله خمسة و عشرون مترا فوق البحر، و تبعد عن مدينة الدارالبيضاء ب 90 كلم بينما تبعد عن مدينة الجديدة ب 15 كلم. 

                                  المفارقة التاريخية للنهر

و نهرها أم الربيع لم يكن الأساس الذي اوجد المدينة فحسب، و إنما في رحم مياهه كان التاريخ الفعلي يتناسل و يتفجر بصيروراته و مراحله المريرة. قدماء اليونان أطلقوا عليه عدة أسماء و وصفوا ميناءه على انه "ميناء ممتاز". و ثمة شهادات تعزز حقيقة وجود هذا الميناء في أزمنة غابرة و الذي لا يمكن اليوم العثور على أي أثر له. 

و يعد نهر أم الربيع من أطول الأنهار المغربية؛ إذ يبلغ طوله 555 كلم تقريبا فيما يعد الأكثر انتظاما من حيث الجريان و هو ينبع من جبال الأطلس المتوسط بضواحي مدينة خنيفرة، و توجد على امتداده سبعة سدود، لكن و بغض النظر عن مزايا هذا النهر العظيم، و بغض النظر عن أدواره و تفاعلاته التي كانت تستجيب  لإرادة الإنسان الزموري في صنع التحديات التاريخية الكبرى و تنشيط الحياة الاقتصادية و الاجتماعية، فإنه يعيش اليوم مفارقة تاريخية لا تقف عند حدود ما يتعرض له من إهمال، و إنما يعكس ذلك التراجع الخطير في الدور الذي كان يلعبه سابقا على مستوى تنشيط حياة المجتمع الزموري اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا الشيء الذي نجمت عنه عواقب و أزمات خطيرة تراكمت مع مر السنين فأصبحت تثقل كاهل المجتمع الزموري بما يتفرع عنها من مظاهر سلبية. 


                            الشابل لحمه أكثر من شحمه 

و قبل التوقف عند هذه المفارقة لا بد من إشارة وجيزة للدور الاقتصادي الذي كان يلعبه النهر. تاريخيا كان النهر يشكل موقعا استراتيجيا هاما على المستوى الاقتصادي حتى أن الأوروبيين كان يسيل لعابهم على ما يحتويه من سمك الشابل، بل ذهب بهم الأمر إلى إقناع ملك البرتغال باحتلال مدينة أزمور طمعا في سمك الشابل، و كان تجار السمك من البرتغال و بعض البلدان الأوروبية يأتون إلى أزمور ما بين ثلاثة إلى أربع مرات في السنة بغرض شراء كميات كبيرة من السمك (مرجع: كتاب مدينة أزمور و ضواحيها، ترجمة محمد الشياظمي). و سمك الشابل قال عنه حسن الوزان في كتابه "وصف إفريقيا": و "الشابل هناك كثير جدا، و شحمه أكثر من لحمه حتى أن القليل من الزيت يكفي لقليه، فسمكة الشابل لا تكاد تحس بحرارة النار حتى تخرج منها كمية كبيرة من الدهن الشبيه بالزيت، و هم يستصحبون بهذا الدهن لأن البلد لا ينتج أي غلة تمكن من استخراج أي نوع من الزيت". و عن أهمية الدور الاقتصادي للنهر يقول حسن الوزان في الكتاب المذكور: "يدر نهر أم الربيع على هذه المدينة سنويا كرسوم لصيد سمك الشابل، من ستة آلاف إلى سبعة آلاف مثقال، و يبدأ موسم الصيد في أكتوبر لينتهي في آخر أبريل..."  و لم يكن هذا الصيد يعطي إمكانية لتسويق الشابل في أوروبا فحسب، و إنما كانت تزود به أسواق الأقاليم الأخرى منها دكالة و مراكش. و تضاف إلى ذلك اعتماد الفلاحين على مائه كمصدر أساسي لنشاطهم الفلاحي. 

و أهمية سمك الشابل، بالإضافة إلى سمك التونة، تكمن في الدور الريادي الذي منحه للنهر، في تنشيط الحياة الاقتصادية و الاجتماعية للمجتمع الزموري بالمدينة. و ما يعزز هذه الحقيقة التي يسترجعها الناس في أحاديثهم كما نقلها لهم من سبقوهم، هو أن قطاع الصيد بنهر أم الربيع كان منتعشا بشكل كبير حيث ما يزيد عن 800 شخص كانوا يشتغلون في هذا القطاع، كما كانت صناعة مراكب الصيد مزدهرة بشكل ملحوظ (المصدر السابق). 

                             موت الشابل، موت للمدينة 

أما الآن، فإن حالة النهر مغايرة و مناقضة تماما مع حالته السابقة بسبب ما تعرض له في السنوات الأخيرة من مخاطر ناجمة عن تسرب كميات كبيرة من الرسوبيات و الرمال التي تجمعت عند مصبه. و هذا هو مصدر الكارثة التي أصابت النهر و جعلته عاقرا و فاقدا لخصوبته التي كانت توفر له سابقا ثروة سمك الشابل و التونة، فالرمال المتجمعة في مصبه منعت عنه ذلك التفاعل الطبيعي مع البحر الذي كان يسمح، في أوقات محددة من السنة، بتسرب كميات هائلة من الأسماك، و من بينها الشابل على الخصوص، لتضع بيضها في النهر. و تنضاف إلى هذه الكارثة حالة الركود و الانحسار التي أصبح عليها نهر أم الربيع حيث افتقد كلية لحركته الطبيعية و هو ما ضاعف من الكارثة بظهور نباتات ميكروباتية يصعب تحديد خطورتها الاجتماعية و البيئية في غياب أي اهتمام حقيقي. و يعمق من هذا الوضع النفايات التي يرمي بها الواد الحار في جوف مياه النهر. و هذا العنصر، منذ فترة طويلة، يعد هو الآخر، مصدرا لتلويت النهر مما يهدد المحيط البيئي دون أن ننسى انعكاساته على الحالة الصحية للمواطن الذي يستهلك المنتوجات الفلاحية التي يتم سقيها بماء النهر و التي توزع، عادة، على العديد من الأسواق؛ و دون ان ننسى كذلك ان العديد من سكان أزمور و الفلاحين بضفتي النهر يشربون من مائه.

 إذن، كارثة نهر أم الربيع تتعدد مصادرها مثلما تتعدد أوجه الانعكاسات الخطيرة التي تلقي بها يوميا على المجتمع الزموري و على محيطه البيئي و هو ما يهدد بعواقب أوخم يصعب تقدير حجمها رغم أن المحقق فيها يبدو للناس في وضع المألوف واقعا ملموسا يبعث على الاختناق. فمن الناحية الاقتصادية و بسبب تسرب كثرة الرمال لم يعد للشابل أي أثر في جوف النهر مما اعتبر عاملا حاسما في موت الحياة الاقتصادية للمدينة، إذ جل العائلات الزمورية تعيش اليوم، على الكفاف بعد أن تفككت و اندثرت بنية قطاع الصيد و لم تعد تظهر له في النهر تلك المراكب و الزوارق بما فيها تلك التي كانت مخصصة للسياحة. و انطلاقا من هذه الحالة في غياب أي تدخل للدولة كي تنقذ النهر سواء بتطهير مياهه، أو باستخراج ما في جوفه من رمال مكدسة، و هذا هو الأساس، لأن سكان المدينة يشتكون من مضاعفات هذه الوضعية التي جرت عليهم العديد من الظواهر كالبطالة و التسول و البغاء الذي انتشر بشكل مخيف. 

بهذه المفارقة التاريخية إذن باتت مدينة أزمور اليوم، تنتمي إلى الزمن الهامشي بعد أن كانت حاضرة في التاريخ الفعلي، و مشهدها العام، الذي يؤطره فضاء الصمت حيث الآثار التاريخية تشكل ديكوره العتيق، يعطي الإحساس بوجود المدينة على هامش التاريخ رغم ما لهذا المشهد من تأثير و جاذبية لعشاق الصمت و الهدوء. 

مدينة أزمور التي أنجب نهرها  أم الربيع تاريخها الفعلي، يشكو سكانها اليوم من نضوب تلك الروح التي حفزت أجدادهم على الفعل و التضحية لكي تبقى الحياة متوهجة و ليبقى منبع (أم الربيع) في حركته الدائبة.    

المصدر: صحيفة أنوال المغربية 5 فبراير 1992