،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
2 قراءة دقيقة
26 Jun
26Jun



المصطفى روض

المرة الأولى التي زرت فيها الجولان كانت عام 1984. أتذكر أن الزيارة تمت باقتراح من صديقتي الكردية السورية شيرين شيخاني التي كانت، في نفس الوقت، زميلتي في الدراسة بكلية الآداب و العلوم الإنسانية بجامعة دمشق، حيث اقترحت علي، في وقت كان علينا أن نهيئ لاجتياز امتحانات السنة الأولى، زيارة جدتها و جدها اللذين يعيشان بمدينة القنيطرة المحاذية للهضبة، فطلبت مني أن أذهب إلى مقر المخابرات لأطلب ترخيصا لزيارة الجولان التي لا يسمح بها لكل من هب و ذب، فوجدت أن في الأمر صعوبة خصوصا و أن زملاء فلسطينيين استبعدوا إمكانية أن يتم تسليمي الترخيص، و الذين يسمح لهم العبور باتجاه منطقة الجولان هم فقط القاطنون بالمناطق المحررة القريبة منها أساسا القنيطرة، أو الوفود السياسية التي تنظم لها السلطات السورية زيارات لكي تتفقد ما تركه جيش الاحتلال الإسرائيلي من دمار. 

و منع الزيارة لا ينسحب فقط على السياح و على السوريين من المناطق الأخرى حيث لا بد لهم من ترخيص، و إنما ينسحب كذلك على الفلسطينيين و خاصة منهم المنتمون للفصائل الفلسطينية الموجودة بسوريا التي كانت دائما ترغب في فتح جبهة الجولان لممارسة الكفاح المسلح ضد جيش العدو الصهيوني. 

و بما أني، وجدت ان الأمر فيه تعقيد شديد، و فيه طلب ترخيص من المخابرات السورية و انتظار الترخيص لمدة طويلة، استغنيت عن موضوع الزيارة، لكن صديقتي أصرت لأنها حكت لجدتها و جدها عني، فرغبا في التعرف علي، فقلت لها دعي الموضوع لفرصة تكون فيها الأجواء متاحة. 

في اليوم الموالي، اتصلت بي و قالت: "لدي فكرة و ربما لا أحتاج فيها الى ترخيص، نذهب في الحافلة و عند وصولنا لحاجز قوات الجيش الخاصة بمراقبة المارين الى الجولان، أسلمهم بطاقة الطالب، ربما يتركوني أمر دون مشاكل، و إذا رفضوا، نعود أدراجنا." 

و بالفعل ذلك ما حصل، صعد أحد الجنود و بدأ في مراقبة كل من بداخل الحافلة واحدا تلو الآخر، و عندما اقترب مني، و جدني قد وضعت على كفي اليمنى بطاقة الطالب دون أن أنبس ببنت شفة، فوافق بحركة رأسه لأنه اعتقد أنني طالب من ذات المنطقة، لأجد نفسي في مأمن من أي أجراء آخر، لأن ما كنت هيأته مسبقا عن أي استفسار لزيارة الجولان من دون ترخيص، هو الادعاء بعدم معرفتي بوجود ترخيص للزيارة. و عندما كانت الحافلة تطوي الطريق، كانت صديقتي شيرين منتشية بالفرح، و كل مرة تقول لي، إن جدتها و جدها سيكونان مسروران يزيارتي لهما. 

                                                القنيطرة مدينة خراب

و عندما وصلنا مدينة القنيطرة، هالني منظرها، لأنها كانت مدمرة عن آخرها، و معظم المنازل و البنايات حولتها الصواريخ و قاذفات المدافع خلال الحرب مع إسرائيل إلى مجرد أطلال. النظام السوري، بدل أن يعيد بناءها بعد تحريرها، تركها كما هي، مدينة خراب لا يسكنها إلا قلة ممن ظلت منازلهم بمنجاة من القصف و تشبثوا بالبقاء للعيش في أراضيهم عوض الجلاء عنها كما فعل كثيرون. 

كانت فرحة جدة و جد صديقتي شيرين باديا على وجوههما لحظة تقديمي لهما: "هذا هو مصطفى المغربي الذي يدرس معي في الكلية"، قالت شيرين، فأرد عليها كعادتي مصححا: " المصطفى و ليس مصطفى"، فيما جدها و جدتها يضحكان و يرحبان بي و يعبران عن سرورهما بالتعرف علي و بوجودي معهما رفقة حفيدتهما شيرين، و كان ينتابني شعور مماثل كأني وسط عائلتي ربما أكبر من سرور تلك العائلة الكردية السورية. 

                                              بين ريتا و عيون البندقية

قضيت معهم خمسة أيام بالتمام و الكمال، ظللت خلالها مع شيرين نراجع دروسنا و نحفظها، و عندما نتعب نخرج لزيارة الأماكن القريبة التي يوحدها الدمار و يسكنها الفراغ بعد خلوها من الساكنة التي غادر معظمها منذ عام 1973 إلى دمشق و أساسا مخيم جرمانا. كان ثمة إحساس غريب يشدني و أنا أتطلع في كل مرة إلى هضبة الجولان القريبة مني على بعد مسافة قصيرة جدا، و كنا أحيانا نتجول، و في ذات الوقت، نردد معا  أغنية مارسيل خليفة و أنا أقبض بيدها: "بين ريتا و عيوني .. البندقية، و الذي يعرف ريتا، ينحني، و يصلي، لإله في العيون العسلية..." 

اليوم الذي هيأنا فيه أنفسنا للعودة إلى دمشق، عبرا الجد و الجدة عن رغبتهما في أن أعود مرة أخرى لزيارتهما، لحظتها شعرت شعورا رهيبا كأني أودع أعز أفراد من عائلتي، ودعتهما على أمل العودة لزيارتهما، فيما كانت شيرين شيخاني سعيدة بأن توفقت في الاستجابة لدعوتها و دعوة جدهما. 

مر وقت طويل و شيرين تذكرني بضرورة العودة لزيارة جدهما ثانية، فيما كان أصدقائي الفلسطينيين يحذرونني بتفادي زيارة منطقة الجولان في حال عدم توفر ترخيص من إدارة المخابرات حتى لا أقع فيما لا يحمد عقباه. 

كنت أرغب بشدة أن أعود لزيارتهما، و أتذكر كرمهما و نبلهما، فغالبا ما كان يكسران وقت حفظ الدروس و مراجعتها، ليقدما لنا وجبات الأكل المعدة بمحبة و حنان لا يوازيه سوى ما يفيض به شعور الأم و الأب إزاء أبنائهم.

                                               مناقش و أجبان                                                          

في مدينة القنيطرة المدمرة، تعرفت على أكلة "مناقش"  استمتعت بأكلها و هي شكل من البيتزا الشامية المعدة بالزعتر و قليل من الطماطم و زيت الزيتون، كما استمتعت بتناول الأجبان المشتقة من حليب المعز التي كانت تطلق في كل مرة ثغاء كأنها ترحب بي على طريقتها. 

عندما اختفت صديقتي الكردية، و انقطعت زيارتها لي بالمرة، و لم يعد يظهر لها وجود بالكلية،  تبخرت إمكانية العودة لزيارة جدهما اللذان يواصلان حياتهما في تلك المدينة المهملة، و يحتاجان في كل مرة لكسر ثقل الزمن و قساوته، زيارة حفيدتهما التي ما أن تصل لمنزلهما حتى ينتعشا بفرح استثنائي يعيد لحياتهما بعضا من طعمها المفقود.