،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
13 Apr
13Apr

  على عمر

"بعد 60 عاما على طرد الأديب المصري طه حسين من جامعة القاهرة بسبب كتاب اعتبر مسيئا للإسلام منع مجلس إدارة الجامعة نفسها قبل أسبوع للسبب عينه مؤلفات نصر حامد أبو زيد، الأستاذ المساعد للغة العربية في كلية الآداب، و رفض ترقيته إلى درجة أستاذ"* ليس الخبر م طرائف كذبة نيسان، بل هو قرار مجلس جامعة القاهرة، و أقر بأغلبية ساحقة (12 من أعضاء اللجنة آل 13). 

و قبل قرار مجلس الجامعة، أصدرت "لجنة علمية" تقريرا جاء فيه، أن مؤلفات أبو زيد تتضمن "كذبا و جهلا و افتراء على الإسلام". و اتهم التقرير أبو زيد ب "الإلحاد". إن هذه التهم تفترض العقاب و الحظر على الأستاذ الجامعي الذي تجاوز الحدود، و أن التردي الفكري يواصل انحداره في العالم العربي، و تتواصل الفضائح الثقافية، فإذا كانت التهمة التي وجهت للأديب طه حسين في العشرينات قد أتت من خارج الجامعة - جاءت من الأزهر- فإن التهمة الموجهة لأبو زيد جاءت من داخل الحرم الجامعي، و هذا يضع جامعة القاهرة موضع شك، و يضع معها حرية التفكير و التعبير و البحث العلمي في دائرة الجرم. 

فمن المفترض أن جامعة القاهرة مؤسسة من مؤسسات البحث العلمي تشجع كل إنتاج فكري يضيء هذا الجانب أو ذاك من حقول المعرفة بغض النظر عن مدى تطابق أو تعارض نتائج هذا البحث مع القائمين على إدارة هذه المؤسسة، اما أن يعاقب الباحث على اجتهاده الفكري، فهذا يستدعي ذكريات محاكم التفتيش. 

ما الذي فعله نصر حامد أبو زيد حتى يستحق هذا الجرم و هذا العقاب؟


                                             طه حسين 

يعتبر أبوزيد في كتابه الرئيسي "مفهوم النص - دراسة في علوم القرآن" - و يبدو أنه الكتاب الذي اعتمد عليه قرار الحرمان - إن الحضارة العربية الإسلامية هي حضارة النص بمعنى أنها حضارة أنبتت أسسها و قامت علومها و ثقافتها على أساس لا يمكن تجاهل مركز "النص" فيه. حضارة النص (القرآن) هذه تفرض تعدد تفسيراته و تأويلاته، و إذا كان علماء الماضي استجابوا للتحدي المطروح عليهم من الغزوات التي جابهها "الوطن العربي"، استجابة حققت إلى حد ما "الحفاظ" على التراث من الضياع فإن التراث الذي حفظوه هو التراث الرجعي. و إذا كان الحل السلفي في حقيقته و جوهره يتنكر لمقاصد الوحي و اهداف الشريعة بفصل النص عن الواقع، و ذلك بتطبيق "نص" مطلق على "واقع" مطلق، فإن إعادة النظر في النص القرآني قد تزيل بعض جوانب التعتيم، و قد يكشف عن حقيقة الوجه "الرجعي" لهذا الفكر و امتداداته في التراث، و حقيقة عدم انفصاله عن تيار ثقافة الطبقة المسيطرة، تيار الثقافة الرسمية الإعلامية. 

إن اختلاف التحدي المطروح على امتنا الآن، يجعل الاستجابة له مختلفة تماما عن حفظ التراث، و يتخلص هذا التحدي في إنتاج وعي "علمي" بالتراث من حيث الأصول التي كونته و العوامل التي ساهمت في حركته و تطوره حتى وصل إلينا. و إذا كان التحدي المطروح على امتنا هو خطر الضياع بالتبعية للآخر، فإن العلم بحقيقة التراث و مكوناته يمكن أن يساعد في الصمود. 

ببعض المجازفة يمكن اختصار مشروع أبو زيد، إلى انه يسعى لدراسة النص القرآني و تفسيره بالاستناد غلى الواقع، بمعنى الانطلاق من الواقع لدراسة النص و هو ما يسميه "الديالكتيك الصاعد"، و هو معاكس لما يسميه "الديالكتيك الهابط" الذي يستخدمه الفكر الديني في دراسة الواقع انطلاقا من النص. 

إن هذا الاتجاه العقلاني في تفسير أهم الظواهر الدينية (القرآن) هو الخلفية لقرار مجلس جامعة القاهرة، ففي الوقت الذي تعم الظاهرة الأصولية و فكرها الظلامي داخل المجتمعات العربية، تصل هذه الظاهرة إلى الهيئات الأكاديمية في جامعة القاهرة، و هذا ما جعل الناقد غالي شكري يعلق على قضية أبو زيد بأنه "لو أن القضية مجرد ظلم أحاق بأستاذ جامعي يستحق الترقية و لم يحظ بها لما استحق الأمر أكثر من الأسف، لكن الأمر المؤسف يتجاوز هذا النوع المؤسف من الظلم بكثير. يتجاوزه إلى درجة السؤال عما إذا كان هناك في موازاة الإرهاب المستتر بالدين، إرهاب آخر داخل جدران الجامعة هو امتداد للإرهاب الأصلي".

راية الاستقلال الفلسطينية