،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
2 قراءة دقيقة
31 Mar
31Mar


المصطفى روض

عرفت الحلاقة بشقيها النسائي و الذكوري في العقدين الأخيرين تطورا هاما سواء في وسائلها أو أشكالها. و تجلى هذا التطور في تنوع أشكال الحلاقة التي كان يختارها العديد من الشباب تأثرا ببعض الظواهر الغنائية كظاهرة "الخنافيس" الإنجليزية في الستينات و السبعينات أو ببعض الشخصيات السينمائية كشخصية "ترافوالتا" و قبله شخصية "جيمس دين" و "شامي كابور" و آخرين... و لا يحتاج المرء إلى كبير عناء لتلمس هذا التطور خصوصا بعد ظهور آلة "سوشوار" المجففة للشعر و التي أصبح استعمالها يناسب كافة أشكال الحلاقة و التي أضحى لكل واحدة منها اسم منتقى من الأسماء الغربية كتسريحة الشباب (كوب دو غارسون) و تسريحة الفرس (كو دو شوفال) أو منتقى من الذاكرة الشعبية المحلية كحلاقة "سميطا" و حلاقة "طيزن" و حلاقة "نمرا جوج" القريبة من شكل الصلع التي كانت سائدة قبل ظهور آلة "سوشوار"... 

و بالرغم من هذا التطور الذي أصبحت له مؤشرات قوية تتمثل في ظهور العديد من محلات الحلاقة و مدارسها في معظم المدن للاستجابة لمتطلبات الشباب في حلاقة رؤوسهم وفق أشكال تناسبهم، فإن ما يسمى بالحلاقة الشعبية التي كانت سائدة في المدن و القرى و الاسواق الأسبوعية لم تنقرض نهائيا و لا زالت في العديد من أحياء الدارالبيضاء و بنسليمان و مراكس... موجودة بقوة رغم تحديث الحلاقة و أشكالها. ففي بنسليمان - مثلا – تحافظ الحلاقة الشعبية على شكلها البدائي حيث يعمد الممارسون لها على استعمال أدوات بدائية في تحليق الرؤوس كالموس، و الشفرة، و الماء و الصابون... و لا وجود لديهم للأدوات الحديثة و يمارسون حرفتهم التقليدية داخل خيام منصوبة تلجأ لها كثرة القرويين و بعض قاطني المدينة. 

و المثير للاستغراب هو أن هذا النوع من الحلاقة يختص بأربعة أمور لا زالت متطلباتها قوية خصوصا في العالم القروي: 

- تصليع الرأس او تحليقه على شكل "نمرا جوج". 

- ختان الاطفال. 

- امتصاص الدم من الرؤوس. 

- قلع الأضراس. 

                                      حلاقون شعبيون يتحدثون للانوار 

أثناء زيارتنا لسوق بنسليمان حاولنا رصد آراء بعض هؤلاء الحلاقين لمعرفة أوضاعهم من جهة، و لمعرفة أسباب عدم انقراض الحلاقة الشعبية من جهة ثانية. 

الحلاق الأول، و هو من مدينة الصخيرات، يقول إنه قضى ما يزيد على 30 سنة في هذه الحرفة، و يشكو من تكاليف النقل ذهابا و أيابا، و ضريبة الصنك، و ثمن حراسة خيمته في السوق، و تكاليف أدوات الحلاقة... و هي كلها باهضة بالنسبة له و تمتص مدخوله العادي و البسيط، رغم انه يبذل جهدا كبيرا في حرفته و ينتقل بالإضافة إلى سوق بنسليمان، (يوم الاربعاء)، إلى أسواق أحد العرب، خميس بوزنيقة و سوق لويزية. 

و حدثنا عن وضعيته المأساوية لكونه الوحيد الذي يعيل العائلة (له ثلاثة أطفال و زوجة)، مشيرا إلى أن هذه الحرفة لم تتطور و بقيت على شكلها البدائي، معتبرا أن "سوشوار" و أدوات الحلاقة المتطورة كانت سببا في عزوف الشباب عن اللجوء إلى الحلاق الشعبي. 

                           حلاقون و مصاصو الدماء في نفس الوقت     

و فيما يتعلق بعملية امتصاص دم الرأس التي هي من اختصاص الحلاق الشعبي و المعروفة ب "تحجامت" في الذاكرة الشعبية، يؤكد هذا الحلاق أن تطورا ملموسا عرفته هذه العملية حيث لم تعد تقتصر فقط على الرأس بل أصبحت الساق، هي الأخرى، تمتص منها الدماء. 

و عن السبب الذي يحول دون تطور الحلاقة الشعبية، يرجعه إلى انعدام الإمكانيات المالية، كما أن المصرف - في نظره – من المستحيل أن يقرضه لعدم توفره على ملك عقاري. 

و في تفسيره لعملية امتصاص الدم، يقول: "علي أن أضع "القلوش" (القلة) فوق رأس الفلاح، و من ثم أضغط عليه بعد تصليعه و تجريح رأسه بالشفرة. و في الأخير أقوم بامتصاص دمه بواسطة فمي". 

و لما رغبنا في معرفة شكل التطور الذي طرأ على هذه العملية، أوضح أن التطور الذي حصل فعلا يتمثل في استخدام "جبادات" و هي شبيهة بآلة من "الألومنيوم" على شكل نظارات برأسين و أنبوبين كل رأس فيها توضع على صدغ الرأس حيث يمتص الدم عبر الثقب الخارجية. 

و دائما في حديثه عن تطور هذه العملية، يضيف بأنها امتدت إلى أسفل الكعبين، إذ يعمل  - كغيره من الحلاقين – على حزم الرجل اليسرى بخيط لتجميع الدم فيها و من تم العمل على امتصاصه و استخراجه. 

و حين استفسرنا عن الهدف من هذه العملية، أجابنا أن كل من يشكو من ألم أو ارتفاع الدم، يصبح عاديا بعد امتصاص دمه. 

و انطلاقا من جوابه، فهو ضمنيا يريد أن يقنعنا بان دوره لا ينحصر فقط في تحليق الرؤوس، و إنما له جانب "طبي"،  المقصود منه إزالة "الألم" (ضرورة)  و "اللي كيطلعلوا الدم" ليسوا سوى الفلاحين "أولئك الفلاحين الذين يعانون من ضغط الدم نتيجة المشاكل الحادة في العالم القروي.."، و لذلك يؤكد على ان بعض هؤلاء المصابين "بطلوع الدم" إذا لم يستخرج من رأسه فإنه سيصاب بنزيف. 

و حدثنا الحلاق الثاني، و هو أمين الحلاقة في السوق، (الحاج بريك)، رغم امتلاكه لمنزلين و اشتغال أبنائه في فرنسا، فإنه لم يفارق حرفة الحلاقة الشعبية و لا زال يمارسها و زبائنه كثيرون، مضيفا أن له سلطة على هذه الحرفة في السوق و هو الوسيط بينهم و بين السلطة المحلية المشرفة على تنظيم الحياة التجارية داخل سوق ابن سليمان. 

و عرف لنا الحلاقة الشعبية بأنها تتميز بعدة وظائف: 

قلع الأضراس، تصليع الرأس، "تحجامت" و الختان، مضيفا إن الحلاق في السوق يتم الاتفاق معه لختان أولاد الفلاحين مقابل بعض المواد كقالب السكر او دجاجة مطبوخة لأكلها و شرب مرقها.                           

                             أجنبي يحلق ذقنه عند حلاق شعبي 

و بالنسبة له، فإن الحلاقة الشعبية لا زال زبائنها كثيرون لان - في نظره – ثمنها منخفض (من 2 إلى 5 دراهم) حسب إمكانية كل زبون. 

الحلاق الثالث الذي استجوبناه، فلاح يسكن بقبيلة المذاكرة من أولاد علي، و له سبعة أولاد، يحكي انه ورث "تحجامت" و الختان من عمه و يمارسها لمدة سبع سنوات، و يشتغل في أسواق "لويزية" و "اثنين الطوالع" و  "خميس بوزنيقة".. أول شيء تحدث عنه هو نموذج أحد المسؤولين بدائرة بوزنيقة الذي سبق له أن هدم أمام عينيه خيام ثلاثة حلاقين. و جاء كلامه هذا في سياق حديثه عن المعاناة و التظلمات التي يمارسها رجال المخزن في إطار مخططاته الرامية إلى مراقبة و ضبط مجال الأسواق حتى ينحصر في حدود الأهداف التجارية المرسومة له سلفا.

                            لماذا عزوف الناس عن الحلاقة الشعبية 

و لما سألناه عن الدخل الذي قد تدره عليه هذه الحرفة، أخرج من جيبه بسرعة فائقة (35 درهم) لكي نتأكد من قيمة ما كسبه في ذلك اليوم (الأربعاء. 

و في حديثه عن معاناته مع هذه الحرفة، اعتبر انها لم تتطور منذ انطلق في ممارستها، شارحا - في ذات الوقت – سبب عزوف الناس عن تحليق رؤوسهم عند الحلاق الشعبين  على أنه راجع بالأساس إلى تطور الحلاقة العصرية التي دخلتها أدوات متطورة.. حيث أكد أنه لا يحلق عنده سوى الفلاحين لأنه لا يتقن "تحسينت زويزوات"، مضيفا "واحد راسو مكمل (القمل) آش خاصو بسوشوار" و هؤلاء هم من نسترزق و نكسب معهم طرف ديال الخبز". 

و استطرد ليقول إن "زمان ضعاب، و كيلو بلوط يساوي 120 ر يال تاكل فيه الحار و لحلو...". 

و حكى لي بمرارة عن تكاليف الشفرة و الصابون و المقص و ضريبة "الزنك" (يقصد الصنك). 

و وجهت له سؤالا فيما إدا كان سكان المدينة يحلقون عنده، فرد بان بعضهم في المدن الصغرى يحلقون عنده بعد ارتفاع ثمن الحلاقة العصرية و يمدونه ب 5 دراهم، مشيرا إلى أنه ذات مرة جاءه أحد الأجانب ليحلق له ذقنه، فأدى له 20 درهما، و كان ذلك بسوق المحمدية قبل نقله إلى منطقة لويزية. 

و ختم حديثه معي بمعاناته راهنا مع المعيش و صعوبته و تكايف النقل الباهضة، حتى أن 50 درهما التي يكسبها لا تلبي حاجياته و أسرته أيام السوق، مستحضرا أيام زمان لما كان الفلاح يحلق رأسه ب 20 سنتيما و مع ذلك كانت "البركة".

صحيفة "الأنوار" عام 1998