،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
2 قراءة دقيقة
02 Sep
02Sep

بانوراما عن الأجواء.. و لمحات عن الأدوار..


بقلم: المصطفى روض

أيام الأربعاء غالبا ما تكون استثنائية في مدينة بن سليمان حيث لا تشبه بقية الأيام الأخرى في شيء، ليس لأن سوقها الأسبوعي يتيح لها الفرصة في النشاط التجاري و الاقتصادي الذي تنشط حركته بقوة فحسب، و إنما لكون الفضاء الاجتماعي للمدينة الذي يعاد تشكيله وفق رغبات و طقوس المجتمع القروي يعطي للمدينة مشهدا غرائبيا يعكس ذلك التلاقي المتفاعل و المتنافر بين العالم القروي و عالم المدينة الناشيء .. و محطة هذا التلاقي هي ما يطلق عليه سوق الأربعاء الذي لعب أدوارا تاريخية و اجتماعية هامة ما زالت الذاكرة الشعبية كما سجلات التاريخ تحتفظ بها.

 سوق الأربعاء لمدينة بن سليمان ينظم أسبوعيا وفق أشكال تقليدية، و لقد تم إحداثه أواسط القرن 19، و أصبح يكتسي أهمية قصوى، ابتداء من فترة الحماية حيث لعبت نشأة مدينة بن سليمان دورا كبيرا في إشعاعه على المستوى التجاري و الاقتصادي، و تكمن أهميته التاريخية في الدور الذي لعبه في عهد الحماية كموقع أساسي لنشاط الحركة الوطنية كما تشهد على ذلك عدة أحداث و انتفاضات عاشها سوق الأربعاء في فترات متفاوتة. و يمكن أن نؤشر على حقيقة هذا الدور بما عرفه السوق فقط عام 1952 من انتفاضات عديدة للمطالبة باستقلال المغرب و التي كانت تواجه القمع بالقمع الشرس من طرف السلطات الاستعمارية، و في سياق نفس الحركة، كانت مقاطعة الفلاحين للبضائع الأجنبية تتم بشكل منظم، أولا، كاستجابة لقرار الحركة الوطنية و ثانيا، كتعبير عن موقفهم الوطني المناهض للمستعمر الفرنسي. 

هذا السوق، كيف يبدو اليوم على مستوى أشكاله التنظيمية؟ و هل حصل فيه تطور ما بعد مرحلة الاستقلال؟ و ما هي الأهداف الأخرى غير الاقتصادية التي تساعد على تنظيمه مرة في الأسبوع؟

 السوق ممتد على ساحة شاسعة تحده الغابة شرقا و مقهى الزهور غربا و الدور السكنية و سينما المنزه من الجانب الآخر.. طاقته الاستيعابية تزيد عن العشرة ألف شخص والزبائن الذين يترددون على السوق كل يوم الأربعاء لبيع منتجاتهم الفلاحية و الصناعية أو لشراء السلع المختلفة و قضاء الحاجيات الاجتماعية، يمكن تقسيمهم إلى نوعين: 

- النوع الأول مشكل من فلاحين و هم الأكثر عددا و ينتمون إلى قبائل الزيايدة، المداكرة، عرب الرباط و بني يخلف.

النوع الثاني مشكل من مواطنين مدينيين ينتمون إلى مدن بوزنيقة، المحمدية و بن سليمان و أغلبهم له جذور فلاحية و اعتادوا على زيارة الأسواق طيلة حياتهم..

و تنطلق عملية استقبال الزوار في السوق مع طلوع الفجر بعد أن تنصيب خيام الباعة في الليل. و هؤلاء الزوار، و معظمهم من الفلاحين (90%)، يستخدمون وسائل نقل مختلفة للوصول إلى السوق: شاحنات، حافلات، طاكسيات بالنسبة للمدن الصغرى؛ دواب، عربات (الكرويلة، الكارو) بالنسبة للقرى.

و الأربعاء هو يوم استثنائي حيث تكثر فيه حركة النقل و تملأ فيه المدينة بجموع غفيرة من جماهير الفلاحين الذين يشكلون أحزمة متموجة تحركها رغباتها العديدة في مختلف الاتجاهات. و لا بد من التذكير ببعض هذه الرغبات لفهم الارتباط القوي بين العالم القروي و عالم مدينة بن سليمان. فهذه المدينة تحتوي على أسواق قارة: دكاكين لبيع مواد غذائية، مطحنتين، مرائب لإصلاح الجرارات و آلات الحرث، مرائب لتصفيح الدواب، الخدمات العمومية و الاجتماعية: البريد، المستوصف، محكمة، عمالة، مقاهي، حمامات، سينما، مكاتب محامات.. الخ.

و هذه المراكز الإدارية و الخدماتية غير موجودة في العالم القروي مما يجعل سوق الأربعاء يلعب دورا آخر بالضافة إلى الدور الاقتصادي و التجاري، حيث يحقق فيها الفلاح مجموعة من الخدمات و الرغبات المتعددة و هو ما يساعد على تنشيط الحركة التجارية و الاقتصادية في المدينة التي تكون مؤهلة كل يوم أربعاء لكي تلعب هذا الدور بفضل السوق.

السوق كمجال تجاري و اقتصادي يعتمد على قيمته التاريخية في استمراره و إعادة تنظيمه  كل أسبوع. و لأنه يحقق رغبات عديدة لا يستطيع الفلاح تحقيقها في حياته اليومية داخل قريته، فقد يكون العامل النفسي بالإضافة إلى العامل الاقتصادي حاسم في في تنظيم السوق كضرورة موضوعية برزت تاريخيا منذ نشأته أواسط القرن 19م. لكن هذا السوق الذي حافظ على وجوده انطلاقا من تلك الضرورة ما هي أشكاله التنظيمية؟

                      الأشكال التنظيمية للسوق

المجلس البلدي بالمدينة هو الذي يقوم بتنظيم سوق الأ ربعاء بتنسيق مع باقي الأجهزة الإدارية الأخرى: الدرك، القوات المساعدة و جهاز المقدمية و الشيوخ.

و تدخل هذه الأجهزة في السوق يخضع للصلاحيات المخولة لكل جهاز، فالمجلس البلدي لكونه المنظم المباشر للسوق، تكمن صلاحيته في جباية الباعة الذين تخصص لهم مساحات محددة لنصب دكاكينهم (خيام). أما تدخل الدرك و القوات المساعدة فهو من اجل فض النزاعات.

و الجبايات تفرض على الشكل التالي:

- العربات: "الكرويلة" 3 دراهم، و "الكارو" 5 دراهم، الدواب 3 دراهم للرأس، الشاحنات 10 دراهم و حراسة الخيام درهمان ..الخ.

أما فيما يخص النزاعات التي تحصل داخل السوق فهي تتوزع حسب الأنواع التالية:

- النزاعات التي تنشب بين ممثلي السلطة و هي عادة ما تنجم عن مشكلة الترخيص أو الضرائب أثناء الزيادة في قيمتها أو مضاعفتها.

- النزاعات التي تنشب بين الباعة و الزبائن و هي ناجمة عن طبيعة المواد المغشوشة أو ارتفاع أسعار بعضها الآخر.

النزاعات التي تعود إلى الباعة أنفسهم غالبا ما يكون سببها التنافس على الأمكنة التي تعرض فيها السلع أو التنافس من أجل استمالة الزبون و جلبه حيث كل بائع له طريقة خاصة قد تكون أحيانا مسيئة للعلاقة بين الباعة (راه خطف لي لكليان ديالي...). و معلوم أن مركزا للسلطة يوجد في الباب الرئيسي للسوق، هدفه المباشر المراقبة الداخلية الشاملة حيث تتوزع مجموعات كبيرة من رجال القوات المساعدة تشكل أحزمة ضاربة ترافقها بضع سيارات لرجال الدرك.

و هذا المركز يستعمل للباعة الذين حرموا من الترخيص لهم لبيع سلعهم الفلاحية و الصناعية داخل السوق، كما تحتجز فيه سلعهم و في المساء عند نهاية السوق، يساق الباعة المحتجزين بمعية سلعهم إلى مراكز المخزن. و أهم نزاع هو الذي يحدث بين السلطة و الفلاحين و يتجلى في ممارسات السلطة داخل السوق بشكل استفزازي، و كمثال صارخ على ذلك ما تقوم به السلطات من إجبار الفلاحين بالقوة على إدخال دوابهم إلى الموقف. و تتم هذه العملية بتنسيق كامل بين صاحب الموقف الذي ينتمي إلى الجماعة الحضرية و بين السلطات المحلية لضمان جباية الدواب التي وصلت إلى 3 دراهم للرأس.

لقد كانت السلطات الفرنسية في عهد الحماية تتحكم في السوق عبر مضاعفتها المراقبة على نشاط الفلاحين من خلال أدوات المخزن (شيوخ و مقدمين..) لأنها كانت تعلم أن تشتت الفلاحين كان حافزا على حضورهم إلى السوق لتوعيتهم و تحسيسهم بقضية الاستقلال الوطني و من تم توجيههم وفق خطط الحركة الوطنية.

و هذا ما جعل المستعمر الفرنسي يخضع السوق لعملية التطهير الشاملة و المحافظة على ضواحيه، زيادة على انه لم يكن يسمح بالتوسع العشوائي للسوق نظرا لتشبثه بحدود الطاقة الاستيعابية التي لا يجب تجاوزها - في نظره – كما يمليها هاجسه الأمني مخافة من حدوث الانفجارات و الحركات المناهضة له.

لكن بالنسبة للسلطات المحلية راهنا، حتى و إن كان هاجسها الأمني حاضرا من خلال أدوات المخزن الضاربة، فإنها تتعامل مع السوق بعقلية، غير عقلانية، حيث تترك المجال مفتوحا لتوسعه و انتشاره بشكل عشوائي و هو ما يحصل عادة في المدن الكبرى حيث تتناسل الأسواق داخل الأحياء، و كل ذلك بدافع الهاجس الجبائي و هو ما دفعها إلى أن تضخم تواجدها بكثافة داخلها ضدا على أية عقلنة لتنظيمه إلا في ما يخدم مصالحها و هو كثير فيه البين و فيه المستور.

                            مفهوم الحطات

الحطات مفهوم يطلقه الفلاحون على التوزيع الذي تفرضه السلطات المحلية داخل السوق على الباعة تبعا لنوعية المنتجات الفلاحية و الصناعية و تبعا كذلك لنوعية الحرف و المهن. و على هذا الأساس هذا التوزيع تنتظم مجموعة من الحطات على شكل تجمع فيه الدكاكين حسب الوحدات تكون فيها كل واحدة عبارة عن مجموعة من الدكاكين تختص في بيع نوع واحد من المنتوج: حطات الجزارة مجاورة للمجزرة و لرحبة الأغنام و الأبقار و الشواية، حطات الخضر و الفواكه، حطات العطارة و المواد الغذائية، حطات الملابس و الأحدية، حطات بائعات الذهب و الفضة، حطات أواني الفخار و الأثاث المنزلية، حطات الإسكافيين و الحلاقة التقليدية... الخ.

و هذه الحطات تبدو من خلال المشاهدة أنها كثيرة و توفر سلعا عديدة يتكاثر حولها الزبائن و تنضاف إليها حطات الرحبة التي تتوزع حسب المنتجات الفلاحية المتنوعة غير أن رحبة الدواجن و البيض مشتتة و لا تخضع لمفهوم "الحطة" لأن الفلاحين بمجرد نزولهم من الدواب و العربات و الشاحنات يكون لهم الوسطاء (السقاطا) بالمرصاد لكي يشتروا منهم كل ما بحوزتهم من دواجن و بيض ليعيدوا بيعها بأثمان مضاعفة في نفس السوق أو في أسواق أخرى.

و داخل السوق يتشكل الفضاء الاجتماعي بطريقة مشابهة لجل الأسواق القروية، و رغم عامل المخزنة الذي يستهدف ضبطه بشكل محكم، فإن المتسوقين و الباعة يستلذون بمتعة الطقوس الاجتماعية، فالسوق يعلوه الدخان... و تتصاعد داخله أصوات الموسيقى و الأغاني الشعبية التي تترافق مع أصوات الباعة فتتداخل فيما بينها لتشكل مزيجا لصدى متنافر يعطي للسوق نكهته القروية.. و تبدو داخله مشاهد بعض الحطات مثيرة للغاية، فالجزارة يشتغلون و يشحذون سكاكينهم بسرعة فائقة لكثرة الطلب.. و الحلاقة يمارسون حرفتهم بأدوات تقليدية جدا حيث يقومون بقلع الأضراس و تصليع الرؤوس و تنفيسها عبر امتصاص دم الزبائن.. و المتسولون يكنسون التراب في الرحبة لينتقوا منه القمح و الشعير.. و الباعة تتعدد أساليبهم في بيع السلع و البضائع، و منهم من يستخدم مكبر الصوت، و عاينت أحدهم كان يصيح بقوة  محاولا جلب الزبائن: "مول المليح باع و راح، كيلو معبور و الماكلا فابور". و لهذه الكلمات تأثيرها على المتسوقين لأن صاحبها يفترضها كأسلوب مناسب للإغراء و  التسريع في عملية البيع.

بالنسبة للمجالات الأخرى أثارنا وجود مجموعة هائلة من رجال العدول و وظيفتهم في السوق لقضاء حاجة الفلاحين في الإرث و عمليات اليع و الشراء.. و يمارسون هده الوظيفة في خيام خاصة بباعة المواد الغذائية حيث يجتمع حولهم القرويون. و ضمن المتسوقين تبدو المرأة القروية في كامل الحيوية و هي بعد بيع السلع تقوم بشراء المواد التي تعتمدها في التجميل مثل الحنة و السواك و الحلي..

                          النشاط الموازي

و المجال الذي يعطي للسوق ديناميكيته هو المجال السوسيو- ثقافي الذي يعتبر نشاطا موازيا للنشاط التجاري و يشكل جاذبية هامة في استجلاب عدد كبير من الفلاحين. و يتوزع هذا المجال على ظواهر مثل الحلقة و الطب الشعبي و ظاهرة الفقهاء و الشوافات.

- الحلقة داخل السوق لم تتطور و بقيت محافظة على أشكالها القديمة و يمارس فيها الغناء و المسرح الشعبيين، كما تحكى فيها الحكايات و الأساطير الشعبية. أما الظواهر الأخرى بقي كل شيء فيها من دون تطوير سواء على مستوى الخطاب المستعمل فيها أو على مستوى المواد.. لكنها تشكل سلطة نفسية خصوصا بالنسبة للفلاحات اللائي يحتجن، في كل مرة، إلى قراءة كفهن أو رؤية مستقبلهن في الخط الرملي أو في العظم أو حصولهن على حجاب لحماية أنفسهن من شر مزعوم.

 المصدر: صحيفة أنوال المغربية 1992