،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
01 Jul
01Jul


بقلم: المصطفى روض 


استقبل المغرب، الأسبوع الماضي، قافلة التضامن مع فلسطينيي غزة القادمة من بريطانيا، و في ذات الوقت، استقبل مبعوث الأمم المتحدة، "كريستوفر روس"، الذي جاء، في أول زيارة له بعد تعيينه، لتحريك جهود التسوية للنزاع القائم بين حركة البوليساريو الانفصالية و المغرب بعد أربع جولات من المفاوضات في نيويورك باءت كلها بالفشل نتيجة المنطق الانفصالي الذي تعتمده الحركة الانفصالية و المكرس من قبل الجزائر. 

حدثان بارزان شغلا اهتمام الرأي العام الوطني، و هما بالرغم من اختلاف طبيعتهما، جعلهما النائب في مجلس العموم البريطاني، "جورج غالاوي"، بحسه و بفكره المتزن، من طبيعة واحدة يصل فيها التماهي بين الوحدة الوطنية المغربية و القضية الفلسطينية مع الوحدة العربية، و هذه هي الرسالة التي أراد أن يبلغها إلى الزعماء العرب و خصوصا أولئك المفتونين بأطروحات الانفصال و التجزئة مثل القادة الجزائريين. 

"جورج غالاوي"، عندما اخترقت قافلته التضامنية مع الشعب الفلسطيني، الحدود الجزائرية و جعلتها مفتوحة لساعات حتى تعبر باتجاه محطتها النهائية (غزو)، قال في معرض كلامه، بالجزائر، ما يستشف منه إنه رسالة واضحة في معانيها السياسية و الفكرية، و ذلك عندما أكد على أن: "فلسطين هي الطريق إلى الوحدة العربية"، و ربما استخلص هذه الفكرة و هو يرى أن ذهاب قافلته إلى غزة، جعلت الجزائر تستجيب لمطلب القافلة التضامنية بفتح الحدود لساعات، و ان ذات التعاطف مع الشعب الفلسطيني الذي عبر عنه الشعبان الجزائري و المغربي، وجده "غالاوي"، لا يشبه إطلاقا السياسات الجزائرية المكرسة للانفصال و بأن كل دعم حقيقي للقضية الفلسطينية يحتاج إلى سياسات مرتكزة على مبادئ الوحدة و التضامن و التعاضد بدل الانشطار و التجزئ و الانفصال. 

و فتح الحدود بشكل دائم، هو مطلب مغربي ما فتئت تؤكد عليه الحكومة المغربية، فيما ترفضه الحكومة الجزائرية إمعانا منها في إبقاء الحدود مغلقة حتى لا تدب فيها تلك الزيارات المتبادلة لأفراد الشعبين لما تعنيه من تجديد لصلة الرحم في البعد الوحدوي الذي يسكن وجدان و ذاكرة الشعوب المغاربية. 

و لذلك فإغلاق الحدود و فتحها: إجراءان متنافران و متوتران في رمزيتهما، الإغلاق ينسجم مع سياسات الانفصال الجزائرية، فيما فتح الحدود مع منطق السياسة الوحدوية المغربية باعتبارها خطوة هامة لكي يقترب الشعبان من همومهما و تاريخهما المشترك، و تجسير العلاقة باتجاه أفق أرحب يجد ما يبرر حتميته في مقولة مغرب الشعوب التي ظلت عالقة في ذاكرتيهما منذ طرحها قادة الحركة الوطنية في كل من الجزائر و المغرب في فترة النضال من اجل نيل الاستقلال الوطني. 

إذن، كيف يمكن التقاط رسالة "جورج غالاوي" و الاستفادة من معانيها و فلسفتها حتى يخدم العرب قضية الشعب الفلسطيني بالتوازي مع تكريس الوحدات الوطنية القطرية باتجاه الوحدة الكبرى؟ 

قطاع غزة في ضوء الهجمة الصهيونية، رغم أهميتها، لم ينتبهوا جيدا لخطورة هذا الامر و ما تسبب فيه من نتائج سلبية ظلت راسخة، حيث بدل التركيز على وحدة السعب الفلسطيني لحمايته من البطش الإسرائيلي، كانت معظم المسيرات و الحركات التضامنية في مختلف الاقطار العربية، تؤيد حركة "حماس" فقط و خطابها التيوقراطي و تصويرها كانها الوحيدة في الصراع مع إسرائيل دون باقي الفصائل الفلسطينية الأخرى، و توازى ذلك مع التعبير عن العداء لفصيل حركة فتح و تحميله مسؤولية ما وقع من هجمة صهيونية على القطاع  مع الحكومة المصرية، فضلا عن تديين الضراع الفلسطيني الإسرائيلي و تجريده من طابعه السياسي. 

و هذه الصورة السلبية التي عبرت عنها حركة التضامن الواسعة، و التي كانت بتأثير مباشر من إعلام فضائية الجزيرة المخدوم، توازى معها العداء لليهود حيث كانت الشعارات المرفوعة ضدهم إساءة أخرى لسياسة منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت دائما تميز بين الصهيونية كما هي مجسدة في الكيان الإسرائيلي المحتل و في مرجعيات مشروعه التأسيس، و بين اليهودية كديانة، و لذلك تضررت القضية الفلسطينية من هذا العداء لليهود الذين شارك الكثير منهم في بريطانيا و فرنسا و ألمانيا في مسيرات تضامنية مع الشعب الفلسطيني، بل إن بعضهم قد أحرق جوازات سفر إسرائيلية خلال المظاهرات احتجاجا على العدوان الصهيوني على قطاع غزة، و هذا أمر على المعنيين أن يلتقطوه بحس سياسي عالي، ليتعاملوا معه بإيجابية في المستقبل لكسب مثل هؤلاء اليهود التقدميين في صف القضية الفلسطينية و قضايانا العربية بعيدا عن الكراهية التي تكرسها الخطابات التيوقراطية و الشوفينية. 

و من المحقق ان الشعب المغربي لم يتخلص بعد من تداعيات مواقف الانفصال المعادية لوحدتنا الترابية الوطنية، سواء من خلال ما تمارسه حركة البوليساريو في العديد من الدول بما فيها داخل أراضي جارتنا إسبانيان من حملات تعمد إلى تشويه سمعة المغرب، و من الدعم اللا مشروط الذي تقدمه الجزائر لتلك الحركة التي أربك المغرب حساباتها السياسية بعد أن أبدع في طرح مشروع الحكم الذاتي كحل واقعي للنزاع الذي افتعلته بتنسيق مع الجزائر.

المبعوث الأممي، "كريستوفر روس"، في جولته الأولى التي سيزور فيها كل من الجزائر، و إسبانيا، و فرنسا بعد المغرب، بدا في جمع المعطيات و ترتيب كافة الملفات المتعلقة بالنزاع المفتعل في قضية الصحراء المغربية، و دائما، سيجد هذا الملف، كما في السابق، منطق الانفصال كلازمة سيشهرها البوليساريو في وجه المتفاوضين المغاربة حتى يظل النزاع قائما، و الأوضاع في المنطقة المغاربية متوترة، بل إن الحركة تتمنى لو تعطيها الجزائر الضوء الأخضر للعودة إلى ممارسات الهجمات المسلحة على الأراضي السيادية للمغرب، و سبق ان لوحت بذلك، بعد فشل أطروحاتها الانفصالية سياسيا في الساحة الدولية. 

الشعبان الجزائري و المغربي، تتأرجح أوضاعهما في المنطقة المغاربية وسط اختلالات يحكمها الصراع بين نزعة الانفصال و التوتر من جهة، و نزعة الوحدة الوطنية و الاندماج القومي، و لذلك من الصعب على المغرب، و حتى الشعب الجزائري، أن يبني حركات دعم كبيرة تتوحد في إطارها كافة الطبقات الاجتماعية و القوى السياسية بغض النظر عن اختلاف مشاربها الإيديولوجية للنضال معا بتماسك يحكمه المبدأ الذي يعتبر من خلاله الشعب المغربي القضية الفلسطينية قضية وطنية. 

و نزع هذه العقبة من طريق الشعب المغربي، و معه الشعب الجزائري، هو استعادة الثقافة الوطنية و القومية على أرضية الربط الجدلي فيما بين الوحدة القطرية و الوحدة العربية الشاملة حتى تجد القضية الفلسطينية مكانها الرمزي و السياسي و سط الشعوب العربية، حاضنتها الطبيعية، بعيدا عن مشاكل الانفصال و التجزئة التي لا يتورع في ممارستها سياسيو التشطير القطري الذين يخدمون مصالح الهيمنة الاقتصادية في لعبة الصراعات الإقليمية المكشوفة. 

إذن، ما هو المطلوب لكي تصبح فلسطين و الصحراء المغربية، بوابتان للوحدة العربية، ما دامت هذه الوحدة لا تبنى إلا على منطق مناهض لكل أنواع التجزئة التي هي إرث استعماري يتعارض مع مصالح الشعوب العربية و مع مستقبلها السياسي؟ 

أولا، على المغرب أن يتبنى سياسة جديدة راديكالية في مواجهة إسرائيل و تفعيل الدعم للشعب الفلسطيني يتجاوز الدعم المادي و السياسي الشفوي الذي يعبر عن الموقف، إلى دعم ملموس يتبنى فيه اعتماد وسائل و مبادرات خلاقة من شانها إعادة بناء الثقة وسط الفلسطينيين فيما بينهم للدفع بإمكانية توحيد صفوفهم في إطار الوحدة الوطنية الفلسطينية، ما دام المغرب ينشد هذا الموقف رسميا و شعبيا. 

و أول خطوة يجب أن يطلقها في هذا الاتجاه، هي توجيه الدعوة إلى مختلف الفصائل الفلسطينية لاستضافتها فوق أرضه من أجل إقامة حوار وطني و المصالحة فيما بينها، و التوافق على برنامج الوحدة الوطنية بقواسم مشتركة، فضلا عن إصلاح مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية التي كان إهمالها سببا في تعميق الخلافات الفلسطينية إلى درجة الاحتكام إلى السلاح بين كل من حركة فتح و حركة حماس و تشطير القطاع عن الضفة الغربية. 

و سبق لأمين عام الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، نايف حواتمة، في زيارته للمغرب عام 2000 ان طالب الوزير الأول الأسبق، عبد الرحمان اليوسفي الذي استقبله في مكتبه، بأن يستضيف المغرب الحوار الفلسطيني – الفلسطيني فوق أرضه في أعقاب الانقسامات التي دبت في الساحة الفلسطينية إثر اعتماد اتفاقية أوسلو قاعدة للتفاوض مع إسرائيل، علما ان هذه الاتفاقية خرجت من رحم السرية و لم تعتمدها الشرعية الفلسطينية و لا مؤسساتها، ما حدا بالشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش أن أعلن استقالته من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، و المرحوم الكاتب إدوار سعيد استقال، هو الآخر، من المجلس الوطني الفلسطيني احتجاجا على الخرق الواضح للشرعية الفلسطينية. 

و إذا كانت الانقسامات الفلسطينية قد ظهرت منذ 2000، فإن موت الزعيم ياسرعرفات و تنامي حركة حماس الأصولية، و العودة إلى السياسات الإقليمية للهيمنة على القرار الوطني الفلسطيني، دفع بهذه الانقسامات إلى أبعد حدود، حيث بات سهلا اللجوء إلى الاقتتال بين فلسطينيي حماس و فلسطينيي فتح، و هذا الأمر كان محظورا في عهد الزعيمين عرفات و الشيخ ياسين لاعتقادهما أنه خط أحمر لا يمكن تجاوزه. 

إذن، المغرب الذي يتوفر وحده، على مشروع لحل واقعي للنزاع المفتعل حول صحرائه المغربية، في إطار تكريس وحدته القطرية، مؤهل لكي يستفيد من رسالة "غالاوي" لربط قضيته الوطنية بالوحدة العربية، بغاية تكريس الدعم للوحدة الفلسطينية و استضافة الحوار الوطني الفلسطيني بين الفصائل، و هو مؤهل في ذلك لعدة اعتبارات منها: استضافته لأهم القمم العربية الداعمة لقضية الشعب الفلسطيني و التي سبق أن صدرت عنها قرارات حاسمة، سواء لجهة الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي و الوحيد للشعب الفلسطيني عام 1974 بالرباط، أو لجهة تبني برنامج المرحلة الذي صادقت عليه قمة فاس عام 1982. 

و بالإضافة إلى ذلك، فالشعب المغربي بمختلف طبقاته الاجتماعية و قواه السياسية كان دوما يدعم الشعب الفلسطيني و يعتبر نفسه معنيا بالقضية الفلسطينية بذات الدرجة التي تعنيه قضيته الوطنية، فضلا عما راكمه من نضال قومي لدعم القضية الفلسطينية بما في ذلك انخراط مغاربة في الكفاح المسلح لحركته الوطنية التحررية. 

كما أن المغرب لم يسبق له، بحكم بعده عن منطقة الشرق الأوسط، أن مارس ضغوطا على أي فصيل من فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية، أو التأثير على قراره الوطني و إن كان ثمة توتر قد حصل سنة 1986 عندما سمح الزعيم ياسر عرفات باستقبال حركة البوليساريو ضمن الوفود المدعوة لحضور المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد بالجزائر. 

و الاشتغال على الواجهة الفلسطينية، سيزيد من تقوية موقع المغرب في التأثير و إقناع الشعوب العربية، و على رأسها الشعب الجزائري بأهمية مشروع الحكم الذاتي في إطار تثبيت الوحدة الوطنية المفتوحة دوما على الوحدة العربية الكبرى عبر الوحدات الوسطية مثل الوحدة المغاربية التي عطل قيامها المنطق الانفصالي بدعم سافر من النظام الجزائري. 

مجلة "مغرب اليوم" 5 مارس 2009