،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
2 قراءة دقيقة
18 May
18May


                       المأساة الاجتماعية القابعة خلف الشاطئ 

المصطفى روض 

مقاربة وضعية مدينة المحمدية، لا من حيث الوصف و لا من حيث تحليل و تفكيك آلية الرغبات التي تحكم تدفق المئات من المواطنين إلى هذه المدينة التي أصبحت، هذه الأيام، في حالة اكتظاظ مثيرة. ففي الصباحات تفرغ القطارات و الحافلات و الطاكسيات، القادمة من البيضاء و عين حرودة و بن سليمان.. عددا كبيرا من الأحزمة البشرية لتتوزع مباشرة، بمجرد وصولها إلى وسط المدينة، إلى شواطئ "بوبلاندان"، "مانيسمان"، "صابليت"و شاطئ الميناء. و في المساء، تنتهي رحلة الاصطياف ليعود المواطنون إلى قواعدهم سالمين، سوى من لعبت عليه موجة "قلقة" فأردته غريقا. و بين الصباح و المساء من كل يوم، خصوصا أيام السبت و الأحد، يؤلف الناس فيما بينهم عالما غريبا تتكاثف أحداثه في الساحة الشاطئية لتغدو مرآتا عاكسة لأوضاع المجتمع النفسية و الاجتماعية و الأخلاقية. 

                                        المشهد البحري 

لاكتشاف هذا العالم توجهنا إلى الشاطئ، و في المقهى المقابلة له جلسنا لحظة نستطلع فيها المشهد البحري من خلال الرؤية. بين المقهى و البحر مسافة رملية غير طويلة تتقلص و تزداد مع مد البحر و جزره.. المصطافون منشغلون برغباتهم و مقاصدهم.. يقضون يومهم على إيقاع السباحة و اللعب بكرة اليد و كرة المضرب و سماع الموسيقى.. و عبثا يحاولون تحقيق رغباتهم التي غالبا ما يتعرض معظمها للمصادرة من قبل الواقع المبالغ في عناده و قسوته من جهة، و من جهة أخرى، من قبل رجال الشرطة و المخازنية الذين يركضون فوق الرمال و فق طقوس الهاجس الأمني، مضاف إليه، هاجس ابتزاز المواطنين الذين تصادر منهم ممتلكاتهم الصغيرة. كرة القدم، و مضرب كرة التنس، و أجهزة الراديو و التسجيل. و بين مد البحر و جزره، تحدث أشياء كثيرة داخل مجموع المصطافين، و حدها الامواج تنفرد بمعرفة تفاصيلها و مفاصلها، و تتقن النفاذ إلى خفاياها و دوافعها العميقة.. هذه الأشياء تبدو جد متناقضة في هذا العالم الشاطئي.. و من النقيض إلى النقيض، هناك مسافة بعيدة لا يمكن قطعها إلا تأمليا لإدراك طبيعة تلك الأشياء و مدى التناقض و التنافر الذي يحكمها، بيد ان الذي يفتقد لملكة التجريد يصعب عليه أن ينعم بمعرفتها.       

                                             خيبة أمل 

المشهد البحري هنا يغري زواره.. إلا أن المصطافين الهاربين من حرقة الشمس، و من مضاعفات زمن الفراغ الذي أنجبته السياسات الاجتماعية و الثقافية لسكان الأحياء الهامشية.. غالبا ما يعودون في المساء إلى بيوتهم بخيبة أمل: أمل المتعة و الترفيه الذي يراودهم قبل أن تطأ أقدامهم الرمال الحارقة.. إذن، ما الفائدة من الذهاب إلى البحر إذا كان فقط يغير لون الجسم و قشر جلده فيما العودة إلى البيت تكسر وهم المتعة الهاربة منهم فتجعل الجميع عراة أما الحقيقة المرة. و المشهد البحري هنا، مهما كانت درجة إغرائه، فهو لا يحتمل إغراء زواره سوى من زاوية أفقه المائي، هناك حيث تحد الرؤية على خط ممتد بعيد، قد ينعش الرؤية البصرية و يلطف الحالة النفسية لبعض الوقت، مثلما يقلص من عنف التفكير في اليومي الاجتماعي الخانق و الضاغط.                     

                                           و تفيض دموعك أنهارا 

"ستفتش عنها يا ولدي في كل مكان، و ستسأل عنها موج البحر...". في هذا المقطع من أغنيته كان يقصد عبد الحليم تلك المرأة التي "فاتت جنبنا، أنا و هو.. و ضحكت لنا، أنا و هو.."، أما أنا، بخلاف عبد الحليم حافظ، فكنت أفتش عن الحقيقة دون أن أسأل عنها أمواج البحر، فوجدتها قريبة منه. و هذه الحقيقة، إذا ما عددنا بعض عناصرها، سنجدها تشكل واقعا اجتماعيا صارخا يتحرك فوق الرمال: عشرات الأطفال يمتهنون تجارة بيع الماء الشروب و هم حفاة و العرق يتصبب من جبينهم و ثيابهم رثة، و في الوقت الذي يركضون فيه، تخرج من صدورهم الضيقة أصوات مبحوحة و متحشرجة، "ميها باردة.. قريعة الماء".

 حين سألت أحدهم (عمره 10 سنوات)، أجابني عن سبب امتهانه لبيع الماء بدافع الحاجة إلى جمع قليل من المال بهدف شراء الكتب في بداية السنة الدراسية. و لقد وجدت في صفوفهم العديد من الأطفال المتمدرسين، و ليست هذه الطفولة المعذبة هي الوحيدة التي تبيع الماء الشروب في ظروف قاهرة يتعرضون خلالها إلى ضربات الشمس الحارة و حرقة الرمال الساخنة و بطونهم يطحنها الجوع.. فهناك كذلك العديد من النساء، رفقة بناتهن، يبعن الماء في نفس الظروف. و من أجل جلبه للمصطافين و وضعه في القنينات و البيدوزات، يتحملن مشاق الركض حفاة إلى أماكن بعيدة عن الشاطئ. هؤلاء النساء المسنات التي تبدو وجوهن مثقلة بالأحزان و موشومة بالحيف الاجتماعي، و قد جفت منها آثار الضحك، يتوازى لديهن، في إطار هذا الواقع المأساوي، هم البؤس و حرقة الرمال و ضياع إنسانيتهن في رحلة العذاب اليومي في شواطئ المحمدية.      

                                          التسول بالمراسلة 

هناك عينة أخرى من الأطفال تمتهن مسح الأحذية و بيع السجائر بالتقسيط، فيما عينة أخرى تمارس التسول بالمراسلة علانية، حتى أني عاينت بعضهم و هو يتسول بالمراسلة، حيث كل من دخل منهم إلى المقهى يضع أمام كل زبون ورقة مكتوبة تطالبه بالمساعدة.

 استشراء هذه الظاهرة بقوة داخل شواطئ المحمدية جعل الناس لا يكترثون بالظواهر الأخرى، التي تبدو مغرية، فالمصطافون مهما حاولوا الغوص في عمق البحر و الإدمان على السباحة، فإن الصدمات الناجمة عن هكذا ظواهر اجتماعية، تكسر لديهم وهم المتعة و الترفيه المسكوبين في الرمال. 

مقال نشر بصحيفة أنوال يوم الثلاثاء 3 شتنبر 1991