،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
2 قراءة دقيقة
12 Jul
12Jul


هنا: شباك يطالع شجيرات صبار، ومركبات جنود تجوب الليل، مزادات لنشر البؤس، 

ومقابر لدفن الأسئلة والتأملات. 

هنا: يُعتقل الفيء في وضح النهار، يراقب الشرطي المعاني بدقة الجرّاح، 

ويتناول المؤرخ دواء للنسيان. 

هناك: خيم بدون أوتاد، سيارات إسعاف تتنافس على تقل الجرحى من زوايا الطرقات، 

جدار يزّين ملصقات للشهداء، 

هناك: قذيفة تطارد رضيعا ينام فيستيقظ لحظة اللمعان. 

هنا وهناك: لا معجزات منذ أن ولى زمن الأنبياء. 

لا أعرف الجواب 

والآن بعد ألفي عام تختزل الطقوس بروتوكولاتها 

وتدعوني لأن أرتب شكل النهاية كما أشاء: 

أن أبتاع زهرة "كاميليا" أخيرة لصديق غاب 

أن أجمع أغصان "ميموزا" لصحاب غافلين 

و أستعير وردة "جاردينيا" لجنازي الأخير.  

لا حيلة بيدي أمام كل هذه المرايا 

ولا سحر لدي لأزيل كل هذا الركام. 

كيف لي، أن أهتم بما هو آت 

وهاجسي قيلولة تحت شجرة كرز 

أزهرت للتو أو على وشك؟ 

شاهدت حرائق الأمس وخرائب العمران 

والآن، أحلم ببقايا عمر جميل... 

وبربيع ضاق من عذاباتنا 

وهي تعبر مسرعة ولا تكترث. 

في أرداني بعض المعاني 

فماذا أفعل بها الآن؟ 

كيف لي أن أدل عشب القدمين على "ماغنوليا" السماء؟ 

وأعرف أن عناء البقاء لا يخمد الشغف بالاندهاش 

ولا سراب البحر يخمد توثب اللسان للهمس: 

"لقد نجوت" (أو هكذا خيل لي) وها أنا اسمع تغريد الشحرور ولا أنتبه. 

لمن تكون باقة الورد هذه؟ 

ومن يحرسها من عبث العناصر؟ 

أعزل أنا من دون خطى تنبه إلى غياب الطير عن هذا الشجر

 من يغرد قبالتي إذن؟ 

ومن إين جاء بمثل هذا الصوت العذب، يا ترى؟ 

أعلن في الأمس نواياه 

وغداً يعبر النهر إلى حيث ذكرى صباه: 

"هنا ولدت، وهنا تموت، أنت مثل تلك الطيور"

تقول له عرافة وهي تتبع صدفات 

على الرمل هنا (أو لعله على الشاطئ هناك). 

في زقاق قديم في لشبونة (أو مدينة أخرى على المحيط) 

تغني امرأة "فادو" في "تافيرنا" 

وعلى الرصيف يجلس محاربان قديمان القرفصاء 

يحرس الأول بقية عمر ويتلمس ندب جراح 

ويلعن الثاني الزمن الآتي ولغو التلفاز. 

يتمم صاحبي قولا لأحد الأنبياء (وهم كثر في هذي البلاد): 

"أنت في الزقاق الأخير، 

تقف بين زلزال ومعمودية ونبع ماء 

هنا تعلمت الإنشاء (من معلم يحمل عصا) 

هنا ضمدت حزنك الأول قرب كانون الشتاء 

وهنا طاردت ظلك في وضح النهار". 

تعود به الذاكرة (وبلا ذاكرة لا يعرف الإنسان آخاه) 

لتدخله المعبد الذي نحته أجداده من صخر الجبال 

ثم اصطفوا حيارى بين الكلمات 

ليعودوا، بعد تردد، ليجدوا سوقا، وسجنا وبورصة وصحفا ومكاتب... 

وليصمتوا احتفالا على مرمى جنود الاحتلال. 

صاحبي حمل خيمته ورحل 

وامرأتي عادت بخبر عن زلزال وفيضان وحرب وحريق ضخم وانفجار 

وجريدة الصباح حملت تعازي وتهاني ونتائج مباريات 

ونبأ اكتشاف مجرّة جديدة وحل لغز الكلمات المتقاطعة لعدد الأمس 

وحفيدي سألني صباح اليوم عن نظرية الفوضى 

وغضب عندما أخبرته بأنني لا أعرف الجواب …

الكاتب الفلسطيني جميل هلال