،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
3 قراءة دقيقة
16 Jul
16Jul

                    

فاتحة الكلام  

(ثريا جبران الأيقونة) هو كتاب جماعي عن سيدة الاحتفال بالمسرح وفي المسرح، الفنانة ثريا جبران

ولقد سعدت بلقاء اخي وصديقي الفنان الأصيل والإنسان الجميل والنبيل ااحسن النفالي منذ يومين، وقد كان لنا لقاء بمقهى اورطينو بحي المستشفيات بمدينة الدار البيضاء، ولقد حمل لي معه هدية غالية لا تقدر بثمن،  والتي هي هذا الكتاب الذي اشرف على اصداره صحبة الفنان عبد الجبار خمران، وذلك في طبعة أنيقة وباذخة، ولقد تولت وزارة الثقافة المغربية طبع هذا الكتاب، والذي كتب له التقديم الشاعر حسن النجمي والمسرحي محمد بهجاجي،  ولقد كان هذا الكتاب، والذي حمل شهادات ودراسات صادقة وناطقة بالحق والحقيقة، عن المرأة الاستثنائية التي احبها المسرح، والتي احبها كل الناس، والتي كانت حزمة مشاعر جميلة ونبيلة، وكانت فيض محبة، لقد جاء ليكون تشريفا  اعترافا بمسار ومسيرة هذه الفنانة التي ملأت كل الفضاءات المسرحية بجميل ونبيل فنها 

وإنني اعتبر هذا الكتاب، هو أول هدية يقدمها الفنان الحسن النفالي  للثقافة المسرحية، المغربية والعربية معا، وذلك بعد عودته من منفاه الاختياري هناك، وننتظر منه المزيد

ولقد وجدني هذا الكتاب الهدية وانا اكتب النفس 42 من هذه الكتابة الأحتفالية لما بعد الجائحة ولما بعد بيانات كازابلانكا للاحتفالية المتجددة                  

وثريا جبران من تكون؟ 

من السؤال ابدا إذن  من تكون ثريا جبران؟

هي اسم من الأسماء الاحتفالية، أحبت المسرح، وأحبها المسرح، وقد يظهر بأنها مجرد اسم واحد أوحد، مثل كل الناس العاديين في الحياة العادية، لأن اسمها يتضمن كل الأسماء، الكائنة و الممكنة، فهي تنتمي لعالم المسرح، والذي هو علم وفن وفكر وصناعة الممكن والمحتمل، والمحتمل الذي قد يصل إلى عتبة المحال، وهي في مسرح الوجود وفي وجود المسرح امرأة ممثلة، والممثل الكبير لا يكفيه اسم واحد، وتليق به كل الأسماء، وهكذا هو الاسم المسرحي دائما، فهو في كل احتفال مسرحي جديد يتجدد، وهو في مرآة هذا المسرح السحري يتعدد، ويكون هو وغير هو، ويتمدد أيضا، باتجاه الخارج البراني وباتجاه الداخل الجواني، وهو يتجدد بتجدد الحالات والمقامات وبتجدد المواقف والعلاقات، وثريا جبران هي ذات بامتدادات لا متناهية، ذات إنسانية هي بسعة الوجود، وبعمق الحياة وبغرابة السحر وبمتدادات التاريخ، ولقد عاشت في روح وجسد أم عنترة في احتفالية (عنترة في المرايا المكسرة) وكان ذلك مع فرقة المعمورة سنة 1974 وبهذا فقد أمكن أن نقول بأن الأصل في هذه المرأة هو أنها ممثلة، وأنها ليست عمرا واحدا ولكنها حزمة أعمار، وقبل هذا هي كائن إنساني وكوني ومدني استثنائي، وكل ما في الوجود المسرحي هو حالات ومظاهر وظواهر استثنائية، هي كائن مسرحي يحيا الحياة بصدق، وتحيا بداخله الحياة، وهي الذات التي تختزل في رؤيتها كل الأشكال وكل الأوزان وكل ألوان الطبيعة، وبهذا فقد كانت دائما على موعد مع التاريخ، وكانت من الفاعلين الصادقين في هذا التاريخ، ولم تكن مجرد ضيف عابر فيه وفي أحداثه ووقائعه، وهي في تاريخ المسرح المغربي والعربي فاعل تاريخي، ولقد كان لها حضور  في فضاءات وامتدادات التاريخ المعاصر، وهي لا تنسى بأنها أساسا ممثلة، ليس فقط على خشبة مسرحية محددة ومحدودة، ولكن في عوالم وأكوان لا متناهية ليس فيها إلا المسرح الوجودي الحي، وهي تدرك أن كل من في هذا المسرح الوجودي ممثلون، وأن بعضهم يعرف أنه فقط يمثل دوره، وأن أغلبهم يجهل أنه يمثل، وهو بهذا لا يعلم أن هذه المسرحية الوجودية والتاريخية  لها فضاء محدد، ولها زمان معروف، ولها موضوع محدد، ولها هدف محدد، ولها أفق بعيد محدد، ولها مضمون فكري وإنساني واسع وعميق، ولهذا فقد كان المسرح لديها أسئلة ومسائل، وكان لعبا جادا، وكان ضحكا عاقلا على غباء بعض المخلوقات وعلى عبثية بعض مظاهر الحياة، سواء في مستواها الاجتماعي أو في بعدها السياسي

وثريا جبران، هي ممثلة واحدة نعم، ولكن بأسماء وبأدوار وبأزياء وبأقنعة وبحالات ومقامات كثيرة جدا، وهي ممثلة احتفالية، في عالم صناعي ضيع حيوية الاحتفال وشفافية الاحتفال وصدق الاحتفال وروح الاحتفال، وكل هذا من غير أن يضيع جمرة الاحتفال فيه، والتي يتضمنها عشق الفرح، والإيمان بالحق في الفرح، وبالدعوة إلى التلاقي الإنساني والمدني، وجمرة هذا الاحتفال، قد تختفي مؤقتا بين الرماد، ولكنها تظل في انتظار من يوقدها ومن يوقظها من جديد                        

ثريا جبران بين عالمين

في كتاب ( الرحلة البرشيدية) والذي هو رحلة افتراضية في عالم افتراضي، يلتقي ذلك الراحل الذي يحمل نفس اسمي، وأستعير نفس حياته، يلتقي بشخص التاريخ وبشخص ساعي البريد وبالكاتب وبالمخرج وبالممثل وبالممثلة، ولقد كانت ثريا جبران هي من يمثل هذه الممثلة الاحتفالية، والتي جعلتها في الكتاب تقول ما يلي:

(المسرح بيتي ومسكني، بيتي الذي أعيش فيه وأحيا، والذي لي فيه أهل وأحباب، ولي فيه جيران ورفاق درب، أما التلفزيون فهو عندي مجرد نافذة، أو هو مجرد شرفة عالية في هذا البيت العالي، والأحمق من يبيع بيته كله، من أجل أن يشتري جزء فيه، يشتري بابا أو نافذة أو شرفة أو عتبة جميلة، والأهبل من يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ومن يقنع بنافذة في حجم صندوق، نافذة تطل على العالم، وتطل على الناس من بعيد.. إنني أخاف يا سيدي.. أخاف أن أضيع أهم الأشياء وأخطرها في هذا الفعل الذي يسمى التمثيل..) 

وهذه المرأة الممثلة، ولأنها احتفالية، ولأنها عيدية الرؤية والرؤيا، ولأنه في فعل هذا الاحتفال دائما، توجد شحنة معينة من السحر ومن الغرابة ومن الإدهاش، فقد كانت حياتها ملحمة شعرية، وكان في حياتها وفي فنها عين العراف ولمسة وخفة الساحر، فهي (لا تمشي كما يمشي كل الناس، لأنها لا تلمس الأرض بقدميها) وما قد تأتيه من فعل في حركاتها، هو دائما  (مشي كالرقص، أو هو رقص كالمشي) هكذا تحدث عنها ذلك المسافر الاحتفالي في رحلته الاحتفالية

وهذه الحركات والإشارات في المسرح، والتي نظنها مشيا أو رقصا، ألا تكون ـ مثلا ـ شيئا آخر، وأن يكون لذلك الشيء الآخر اسمه الآخر، والذي ينبغي أن نبحث عنه؟ ألا تكون ـ مثلا ( صلاة يا صاحبي الظل، أو تكون شبه صلاة ونحن لا ندري؟) 

وقد هو الاحتفال والتعييد في الفضاء الجديد وفي الزمن المسرحي المتجدد، هذه مجرد تساؤلات الباحث والمنظر، والذي ألعب أنا الآن دوره، أما هي، الممثلة الاستثنائية، في الزمن المسرحي الاستثنائي فقد قالت (هو مشي بمرتبة الرقص) وهو أيضا (رقص في درجة الصلاة، وهو سير على الأرض بدرجة التحليق في السماء) وممثل يمشي على الأرض، كما يمشي على خشبة المسرح، لا يمكن أن يبلغ درجة الاحتفال في المسرح وبالمسرح 

وقدر هذه المرأة الممثلة، هو أنها تنتمي إلى عالم المسرح، وبفعل سلطة وسلطان هذا المسرح، فإن عالم هذا المسرح، وهي على خشبته وفي كونه ومناخه، يصبح منتميا لها، بالقوة والفعل معا، وتصبح هي المركز في الدائرة، وكل الأضواء مسلطة عليها، والأصل في هذا العالم الواقعي، بكل محمولاته المادية والرمزية، هو أنه يحمل مضاعفه فيه، فهو الواقع وما فوقه، أو هو ما تحته، و هو ما خلفه، وهو اليقظة والحلم، وهو العلم والسحر، وهو النثر والشعر، وهو المعلوم والمجهول، وهو الممكن والمستحيل، وهو الحاضر والغائب، وهو الظاهر والخفي، وإن كل من يسكن هذا العالم المسرحي، بكل علمه وسحره، ينتمي بالضرورة إلى عالم الجن والملائكة، بحسب لغة توفيق الحكيم، ولعل هذا ما يجعل ثريا جبران في المسرح (لا تسير مثل كل الكائنات التي لها أقدام، ولا تطير ككل الطيور التي لها أجنحة، ولكنها تنساب في المكان كالماء والهواء) 

وعن هذه الممثلة الاحتفالية يقول المسافر في رحلته، بعد راها (وهي ترقص على الوحل بقدمين حافيتين.. إنها تتلوى وكأنها منديل في مهب الرياح، أو كأنها شعلة نار تلاعب الهواء) 

يا الله.. في عينيها شيء كثير من السحر ومن الجاذبية السحرية..جسدها يملأ كل المكان، وكأنه لا أحد في هذا المكان إلا هي وحدها وهي تملأ هذه اللحظة الساحرة والعجيبة والحية وحدها، وكأنه لا أحد فيها إلا هي وحدها، وعطرها يملأ كل أرجاء هذه المدينة كلها، وكأنه لا عطر في هذه العوالم الافتراضية إلا عطرها وحدها)

هذه الممثلة (نظراتها جمر، وكلماتها جمر، وحركاتها جمر، ورقصها جمر، وأنفاسها جمر، وأحوالها جمر، فمن عساها تكون؟ إنسية هي أم جنية؟) وردا على هذا السؤال فهي تقول (هي إنسية من عالم الجن، وهي جنية من عالم الإنس)  نعم، وفي الفنون كثير من الجنون دائما وهي (فراشة تهوى النور، وتعشق الضياء، ويصر بعض النور على أن يكون نارا حارقة) والتي قد تصبح في صدر الممثل الساحر ( بردا وسلاما)

هذه المرأة الممثلة، هي التي نطقت في الرحلة الافتراضية وقالت (أنا ممثلة في مسرحية هذا الوجود، تماما كما أنت وكما نحن، كلنا نمثل، أنا ممثلة تمثل حياتها، وفي حياتها تمثل حياة كل النساء) وهذا هو سحر المسرح، فهو المكان الذي يختزل كل الكون، وهو اللحظة التي تختزل كل تاريخ البشرية، وهو الممثل الوجودي الذي يختزل في جسده وروحه كل الممثلين في مسرح الحياة                       

ممثلة تحتفي بالحياة والأحياء

ولأنها احتفالية، فهي مع البياض وضد السواد، وهي مع الحضور وضد الغياب، وهي مع الهزل الجاد وضد الجدية المتزمتة، وهي مع الفكر المقنع، ومع الفن الممتع، وهي مع الصدر الواسع، في الفن والفكر والسياسة، والذي لا يضيق عن أي أحد، وهي مع السهل الممتنع، هي الضاحكة المضحكة بمفارقاتها الغريبة والعجيبة، ولها في عالمها المسرحي الخاص ضحكة مسرحية خاصة ( ضحكة مدوية، فيها رنة وغنة، وفيها طرب وموسيقى)

وهي في حقول المسرح (سنبلة في مهب العاصفة الحمقاء حمقا جميلا) وهي (المجنونة جنونا عبقريا) وهي التي قالت عن نفسها في الرحلة البرشيدية الافتراضية (إنني أتلوى ولا أنكسر، وأنحني مثل كل السنابل الممتلئة ولا أنكسر. وقد تنكسر الريح ولا أنكسر أنا) 

ولأنها ممثلة، ولأن التمثيل هو أدوار وتبادل أدوار، فقد كانت أكبر من أن  تكون دورا واحدا، وذلك في مسرحية واحدة، مسرحية كتبها مؤلف مسرحي واحد، وذلك في زمن واحد، وذلك في موضوع واحد، ولقد كنت أنا أحد الذين كتبوا لها، وكتبوا عنها، وذلك في ثلاث مسرحيات هي ( عنترة في المرايا المكسرة) و( العين والخلخال) و( النمرود في هوليود)  

وهي فعلا مواطنة إنسانية وكونية بعمر واحد، ولكن هذا العمر لا يقاس بالزمن الفيزيقي، وهو أكبر من الساعة، وفي هذا العمر الواحد كانت لها مسارات وجودية وفكرية وجمالية وأخلاقية متعددة ومتمددة ومتجددة، فهي هي هي في حياتها اليومية، وهي غير هي على خشابات المسارح، فهي ذات متحولة بفعل سلطة المسرح وبفعل سحر المسرح، والممثل تحت الأضواء المشتعلة لا تكفيه حياة واحدة، ولا يمكن أن يسع عمقه الفكري والروحي والوجداني عمر واحد، ولا يمكن أن تكفيه مسرحية واحدة

وفي كتاب ( ثريا جبران الأيقونة) يقول الاحتفالي في شهادته ( ولأنها فنانة مالية وحالمة، فقد كان ضروريا أن تصطدم مع صخرة هذا الواقع، وأن ترفض وقائعه وصوره المختلفة، وفي ( الرحلة البرشيدية) يأتيها صوت يقول لها ّ لا تستغربي ,, هكذا هو الواقع دائما، وهذه هي طبيعته يا سيدتي..

إنه لا يطاوع إلا الطائعين والطيعين، فهل أنت منهم؟

ويكون ضروريا أن تقول ( أنا؟ لا .. أنا ما كنت منهم يوما، ولن أكون أبدا، ّ وفعلا فهي ليست منهم، وهي لا تشبه أحدا، بل وهي لا تشبه نفسها في مسرحيتين مختلفتين)ودائما في نفس كتاب ( الرحلة البرشيدية) يلتقي الاحتفالي المسافر بامرأة صدفة، وعن ذلك اللقاء يقول (لقد رأيتها وهي في زي ملكة من ملكات الحكايات والخرافات والأساطير.. رأيتها.. رأيتها تجرر خلفها أذيالها، وتمشي حافية القدمين، واندهشت لما رأيت)

وفنان لا يدهش ليس فنانا حقيقا، و(مبدع) وفنان لا يزلزل أرضك الفكرية والجمالية ما علاقته بالإبداع؟ 

والاحتفالية الحقيقية، وبخلاف ما قد يفهم البعض، ليست ظاهرة صوتية، وليست كلاما يمكن أن يسمع، وليست مجرد صورة ملونة يمكن التفرج عليها، وهي في جوهرها (احتفالية الفكر واللسان، واحتفالية الروح والوجدان) وهي احتفالية الخيال الخلاق، وهي احتفالية الحضور والامتلاء، وهي المدهش الذي له معنى، وكل استعراض للمواهب والكفاءات، بشكل نرجسي، لا يمكن أن يرقي لأن يصبح احتفالا مسرحيا كاملا ومتكاملا

وثريا جبران، في كونها المسرحي، هي الأنثى (والأنثى هي الأرض وهي السماء وهي الماء، وهي أم الحياة والأحياء.) وهذه الأنثى هي أيضا أم (أم  كل الاحتفاليين المجانين..)وهي أخت ورفيقة وصديقة   وهي في المسرح شخصيات، وهي مقامات، وهي أدوار تدور مع دوران الأرض ومع دوران ألأيام والليالي والأعوام، ومع دوران الأجرام السماوية ومع الدم في العروق ومع دورا الفصول في الطبيعة، أما عن أحب الأدوار إليها، فإنها في تلك الرحلة تقول هي (التي لم أعشها بعد، وهي التي لم يكتبها كاتب بعد، وأما أحب كل الأدوار إلى نفسي فهو دور الأنثى، لقد تماهيت في جسد ووجدان وروح أمنا الأنثى، فكنت أنا هي وهي أنا، ومثلت كل أدوارها الكائنة والممكنة، لقد مثلت دور الأرض، ولعبت دور الحياة، وجسدت دور الدنيا، وارتديت زي الحرية، ورآني المتنبي في دور الحمى، ووضعني كثير من الكتاب في دور العاصفة، وتصورني الآخرون في صورة الموت وما أنا إلا حياة وحيوية)

ولأن التمثيل فعل للتحول والتشكل، يقيل فيه الجسد كل هيئة وكل صفة، فقد كان من حق هذه الممثلة الاحتفالية، وهي أنثى، أن تلعب دور الرجل، وأن تجرب فعل تبادل الأدوار، وقد تبادل، وقد تم ذلك في مسرحة ( بوغابة) والتي هي اقتباس عن مسرحية ( بونتيلا وتابعه ماتي ) لبرتولد بريشت، والتي استنبتها في التربة الاحتفالية المغربية الكاتب المسرحي محمد قاوتي  

وتبقى، رغم تحولاتها وتشكلاتها المسرحية، هي (الأنثى الموجودة بين النسمة والعاصفة، والمختبئة بين الحياة والموت، والساكنة بين النور والعتمة، والعالية علو غيمة أو نجمة) 

هي الفنانة الاحتفالية التي تعيش الفرح، وتحلم بالفرح، والتي تسعى من أجل إدراك الفرح الحقيقي، وأن يكون هذا الفرح صادقا ومستحقا وعاما ومشتركا ومقتسما، وأن يكون مشاعا مثل الماء والهواء، ويسوءها أن يكون في ظلام الأيام شيء من السواد، ويسعدها أن يكون الفرح مستخرجا من بطن الحزن، وأن يكون غنيمة في حرب الوجود والحياة، ولهذا يكون من حقها أن تقول (إنني أشعر بشيء من الغبن وبشيء من الغربة، وتعبرني اليوم سحابات رمادية من الكآبة العابرة، وتغمرني حالات من الخوف والقلق، وأشعر بأن هذا االواقع قد خذلني)

ويأتيها صوت، من مكان ما، يقول لها (لا تستغربي.. هكذا هو الواقع دائما، وهذه هي طبيعته يا سيدتي.. إنه لا يطاوع إلا الطائعين والطيعين، فهل أنت منهم؟)ويكون ضروريا ن تقول ( أنا؟  لا، أنا ما كنت منهم يوما، ولن أكون أبدا)                        

اختيار الأفكار أم اختيار الواقع؟

هي الإنسانة والفنانة التي تعرف وتدرك، بأن هذا الواقع، بكل وقائعه الغريبة والعجيبة في أغلب الحالات،  (لا يخالف إلا المخالفين والمختلفين من أمثالنا.. أنت الآن بيناختيارين لا ثالث لهما، إما أن تغيري أفكارك أو تغيري الواقع، فماذا تغيرين أنت؟ولأنها مِؤمنة بمسارها الوجودي، ولأنها مؤمنة بصدق اختياراتها الفكرية والجمالية والأخلاقية فيه، ولأنها مقتنعة بأن الأصل في الفكر وفي الفنون وفي الآداب هو أن تتغير دائما، وأن تتحول، وأن تتجدد، وذلك باتجاه الممكن الأجمل والأكمل والأنبل،  انطلاقا من هذه القناعة المبدئية، فقد اختارت أن تكون في هذا الواقع، هي المحرك الذي يحرك ويتحرك، وقالت (أختار تغيير هذا الوقع يا سيدي)

هي الممثلة المطلوب منها أن تمثل للناس، ولكنها تصر على أن تحتفل ( مع) الناس، وأن يكون ذلك في مسرح الناس، وأن تكون الحكواتية التي لا تحكي ونحاكي حكايات الأمس، وأن تكون الممثلة التي تحيا حياتها المسرحية داخل ( مسرح اليوم) وقد يظهر بأنها تمثل، في حين أن الحقيقة عكس هذا، فهي لا تمثل، ولا ينبغي لها أن تمثل  لأن (الأصل في الممثل ألا يمثل، والأصل في الحياة ألا تمثل أيضا، وهي لا تقبل سوى أن نعيشها بصدق وعفوية..)

(والتمثيل هو ألا تمثل) هكذا قالت الممثلة الاحتفالية

(وإذا حدث ومثلت؟) ولأن إمكانية أن يمثل كثير من الممثلين كائنة وممكنة، فقد تساءل المتسائل وقال:

ليكون الجواب هو (آه، يضع كل شيء يا سيدي، ويصبح العقد بين الممثل والجمهور لاغيا) وهذا العقد الضمني والخفي يقتضي أن يمثل الممثل من غير أن يشعر الجمهور بأنه أمام تمثيل، والمطلوب في التلاقي المسرح دائما هو أن يكون الأداء مقنعا، وأن يكون بسيطا، وأن يكون عفويا، وأن يكون تلقائيا، وأن يكون بعيدا جدا عن الصناعة والتصنع   

في كتاب ( ثريا جبران الأيقونة ) يطرح المفكر الاحتفالي السؤال التالي عن المعنى الحقيقي بفعل التمثيل  وعن الفاعل الممثل في هذا التمثيل وماذا يمكن أن يكون هذا الإنسان الذي نسميه الممثل؟  و(هل الممثل يمثل أم الممثل يتمثل؟ أي أنه يتمثل الشخصيات، ويتمثل الحالات، ويتمثل الوقائع، ، ويتمثل المواقف، ثم يعيشها بصدق وتلقائية، ويحياها كأنها حياته الممكنة أو حياته الأخرى المفترضة)  

والأصل في فعل هذا المسرح أنه حضور، كامل وكلي، حضور الممثل جسدا وعقلا ووجدانا وروحا، وفي المقابل، ينبغي ألا يكون شريكنا في  التعييد المسرحي غائبا أو مغيبا،  وبالنسبة للتمثيل الاحتفالي فهو حضور في الزمان الآن وفي المكان هنا، حضور هو مقتسم بين جسدين حيين، وبين روحين فاعلين، وبين عقلين مفكرين، وبهذا كان الحلم في هذا التلاقي مباحا، وكان الوهم ممنوعا، وما يشدنا أكثر في أداء ثريا جبران، هو إحساسنا بأنها ترانا وتسمعنا، وبأنها تعرفنا بأسمائنا في الظلام، وبالمقابل، فهي الممثلة الذي تقنعنا بصدق أدائها بأنها تحكي لنا حكيا صدقا، ومنذ البيان الأول لجماعة المسرح الاحتفالي تم التأكيد على الاندماج الواعي في مناخ الاحتفال المسرحي، ولعل أخطر شيء أكدت عليه الاحتفالية دائما، هو فعل تغييب عقل الجمهور، وهو فعل تغييب فاعلية الجمهور، وهو فعل التمويه على الجمهور، وذلك من خلال ما يسمى بالإيهام المسرحي، فاللحظة المسرحية هي عام وشمل ومتكاملا، هي حضور الممثل الذي ليس ممثلا، وحضور الجمهور الذي ليس متفرجا، وحضور المسرح الذي ليس عرضا، والذي هو في حقيقته فعل احتفال وتعييد مشترك، في اللحظة العيدية والاحتفالية المشركة، وبالنسبة للاحتفالية فإن (فعل تغييب الناس هو اعتداء على حقهم في الحضور، وهل القتل إلا اعتداء على الحق في الحضور، والذي هو عنوان حياتهم وحيويتهم؟)

ومع ثريا جبران ندرك بأن الممثل في المسرح هو أساسا إنسان حي أولا، وهو إنسان فاعل وعاقل ثانيا، وبهذا فهو ليس مجرد صورة في معرض الصور، وليس مجرد ظل متحرك في مسرح خيال الظل، وليس مجرد دمية في مسرح الدمى، ولأن ثريا جبران تعرف أنه جسد وروح، وأنها أسئلة ومسائل وقضية، فقد أنطقتها الرحلة البرشيدية وجعلتها تقول (إنني ممثلة ولست عارضة أزياء، ولست جسدا في مسابقة اختيار ملكات الجمال، ولست جسدا يمكن أن يؤجر أو يباع، ولست جارية في سوق النخاسة، والممثل أساسا فضيلة وكرامة وحرية ومسئولية) 

وهذا الممثل الإنسان هو أساسا قيمة وقامة في مسرح الوجوج وفي وجود المسرح، وفي هذا المسرح، ترتدي ثريا جبران الأزياء المسرحية التي تقول شيئا، الشيء الذي يشعرك بأن هذه الممثلة ليست عارضة أزياء في حفل لعرض الأزياء، وهي، أولا وأخيرا، وعي نقدي، وهي فيض وجدان، وهي خيال خلاق، وهي حزمة علاقات حية متجددة، مع الممثلين الآخرين، ومع المكان ومع الفضاء ومع الزمان ومع المناخ الاحتفالي العام، والتي هي فيه مبدعة خطاب، وهي صانعة حالات وهي حاملة أفكار، وبهذا فهي ليست مجرد جسد بقوام جميل، وليست مجرد حركات وتمرينات رياضية، قد يكون لها معنى وقد لا يكون، ولقد سبق وقلت مرات عن ثريا جبران بأنها الممثلة التي لا تفرج الناس عليها، ولكنها الممثلة التي تشير بأدائها وبإلقائها إلى عيوب المجتمع وإلى أعطاب الواقع وإلى أمراض بعض النفوس والعقليات  

وهي في مسرحها مقتنعة بأن (فعل التفرج شيء سهل جدا، وهو لا يتطلب أي مجهود، والمتفرجون على الواقع يتبرأ منهم الواقع، والمتفرجون على التاريخ سوف يلعنهم التاريخ يوما) وهي أيضا، لا تريد أن تعلم الناس في المسرح، وأن تكون في هذا المسرح معلمة، لأنها تعرف أن المعلمة الحقيقية في الحياة هي الحياة.