،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
17 Apr
17Apr

ينجح الكتاب في الرد على الذين يصورون الخلفاء العباسيين أسرى للمعتزلة هذا الكتاب الكبير (المحنة بحث في جدلية الديني و السياسي في الإسلام)، شأن كتب الدكتور فهمي جدعان الأخرى، له هدفان واضحان وضعهما المؤلف في مقدمة كتابه: الأول و هو المركزي إثبات نأي المعتزلة "نأيا شبه تام عن عملية "الامتحان" التي نسبت إليهم" و التي قامت على أساس القول بخلق القرآن. الثاني: و هو الفرعي يتعلق بالتعرض لعلاقة السياسي بالديني في الإسلام و التاريخ السياسي الإسلامي. 

و يمكن القول أن المؤلف قد نجح في إثارة الشكوك حول مدى الدور الذي كان للمعتزلة في (محنة) خلق القرآن و امتحانه. إلا أنه، مع ذلك، لم يستطع أن ينأى بهم "نأيا شبه تام" عن القضية. فقد اضطر في نهاية كتابه إلى الحديث عن نوعين من المعتزلة: نوع تعامل مع السلطة و خدمها في مسألة خلق القرآن و نوع آخر ابتعد عن ذلك. يقول  "وعلينا أن نعترف بوجود تيارين "سياسيين" في قلب الاعتزال: التيار المثالي الاجتماعي، و التيار الواقعي العملي" ص268. 

و يحاول د. جدعان في محاولته لنفي التهمة عن المعتزلة أن يفصل بين عقيدتهم و عملهم السياسي. فاحمد بن داوود قاضي القضاة وقت المحنة "كان ينفذ لا بما هو معتزلي وإنما بما هو صاحب منصب مخصوص في الدولة يوجب عليه دلك إيجابا و هو قاضي  القضاة" - ص274. و هذه فيما نرى محاولة ضعيفة للبحث عن أسباب تبرئ المعتزلة.

 كذلك يستند د. جدعان إلى ما روي عن التناقضات بين عقائد و أفكار المعتزلة و أفكار و عقائد خلفاء بني العباس، لكي يثبت عدم توافق الطرفين و عدم انسجامهما. و الحق ان عقائد خلفاء بني العباس تختلف، منذ البدء، في أمور عدة عن عقائد المعتزلة. فالأول ذوو عقائد ملفقة، أي مجمعة، انطلاقا من الظروف التي نشأوا فيها و التحالفات التي عقدوها مع الآخرين. فهم ليسوا جبريين كالأمويين  الذين ثاروا ضدهم، كما أنهم يقولون بالأمامة "الرضى من آل البيت"، التي سرعان ما تخلوا عنها عندما اصطدموا بالعلويين و تحولوا إلى الوراثة. و هم منزهون  بعد أن صارت عقيدة التشبيه و الثنوية خطرا على مصالحهم. فعقائدهم تختلف عن عقائد المعتزلة، و يجري التخلي عن بعضها أو تعديله عند اللزوم، أو التركيز على عنصر بدل آخر في لحظة محددة. و لذا فليس مما يبرئ المعتزلة تبيان الخلاف بينهم و بين خلفاء بني العباس. لقد نجح د. جدعان في الرد على الغلاة الذين يصورون الخلفاء العباسيين أسرى للمعتزلة، و الذين يظهرون الاعتزال كعقيدة تامة لهؤلاء الخلفاء و لكنه لم ينجح في تبرئة المعتزلة في قضية "المحنة". غير أن القضية الأهم و التي لن يجد القارئ لها جوابا شافيا في كتاب د. جدعان إنما تتعلق بالكيفية التي جعلت من قضية صغيرة في العقيدة (خلق القرآن) تتحول إلى قضية مركزية يتعلق بحلها مصير الدين و الدولة. فما هي الآلية التي أدت إلى تحويل هذه المسألة إلى "بؤرة" للتناقضات؟ يقول د. جدعان "لكن لماذا اختار المأمون القول بخلق القرآن دون غيره من الأقوال الكلامية أو العقيدية ليكون المحك الأساسي في "تجربة العنف" التي حملت اسم الامتحان أو المحنة؟ الجواب عن السؤال أنه كان على المأمون أن يختار بالضرورة، سلاحا "دينيا" خالصا لأنه يعلم أن أي سلاح سياسي "دنيوي" يمكن أن يختاره سيكون عاجزا.." ص 284. لا يمكن لنا أن نعتبر هذا جوابا على السؤال. فقد كان بإمكان المأمون البحث عن سلاح ديني في مقولة غير مقولة (خلق القرآن)، فلماذا، إذن، اختارهذه المقولة بالذات؟ الواقع أن صراع الإسلام مع الأديان و المذاهب التي سبقته من فارسية و هندية و مسيحية و وثنية حرانية و غيرها تركز في موضوع التوحيد و التنزيه. فهجوم أصحاب العقائد السابقة تركز حول هذه القضية: المانوية بثنويتها و المسيحية بتثليثها، و الحرانية بآلهتها المتعددة (الأجرام السماوية). و هكذا فقد كان الهجوم على الإسلام و على دولته و وحدتها من طرف خفي، هو شكل الهجوم على التوحيد. و لذا فقد كانت أفضل وسيلة لضرب أصحاب الحديث و السنة هي ربطهم بأعداء التوحيد و التنزيه. من المؤكد أن الهدف كان ضرب أصحاب الحديث و السنة الذين علا شانهم بين العامة و صاروا قوة موازية لقوة الدولة، كما يقول د. جدعان. و لكن العقدة التي اختيرت لضربهم كانت عبر محاولة ربطهم بأعداء الإسلام المتعددين. ف "المأمون كان يتوجس خيفة من رجال الحديث و يخشى خطرهم على العامة و ينكر فيهم قوتهم المتنامية المستحوذة بصورة متصاعدة على أفئدة العامة.. ص279.

في موضوع جدلية الديني و السياسي في الإسلام يؤكد د. جدعان "أن كل ما يحدث في الإسلام من حراك اجتماعي محكوم في مبدأ الأمر و منشأه بآليات هذه الجدلية"، ذلك أن "كل فهم للديني يأخذ مبدأ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يحول الديني، بالضرورة و الماهية، إلى سياسي". و هكذا تقع، بالنسبة للدكتور جدعان، مقولة "الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر" في جوهر جدل الديني و السياسي. و هي فكرة هامة، و لكن تركيز الكتاب على دور المعتزلة في محنة خلق القرآن منع من التركيز على الموضوع و وضعه في مرتبة ثانية نسبة إلى المسألة الأولى. 

ز. م. – الاستقلال الفلسطينية