،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
04 Mar
04Mar


عندما مشيت، لأول مرة، في الشارع الرئيسي لمدينة تونس، شارع بورقيبة، كان الوقت مساء. الشمس غربت أو كادت. و في الشرق كانت غيمة سديمية تنبض و تدور. أية غيمة هذه؟ هل هو الجراد؟ لا، ليس جرادا، إنها العصافير. فقد أخذ قسم من الغيمة يقترب ليتكشف عن عصافير اكبر قليلا من الدوري و مائلة إلى السواد، في أجنحتها العصافير على الأشجار في شارع بورقيبة. ضجة كبيرة يمكن سماعها رغم هدير السيارات. لم تمض ساعة حتى هبطت مئات الآلاف من العصافير على الأشجار التي تفصل بين اتجاهي الشارع. منظر فاتن حقا.

سألنا فيما بعد عن غيمة العصافير. قالوا هذه عصافير الزيتون. تأتي في موسم الزيتون مع نهاية الخريف لكي تملأ بطونها الصغيرة بثمره و زيته المقدس. ثلاثون مليون عصفور زيتون "يجتاح" البلاد التونسية. كل عصفور بحاجة إلى 30 غراما من الزيتون في اليوم الواحد ليملأ حوصلته. أضرب ثلاثة في ثلاثة و ضع أمام الناتج سبعة أصفار و سيكون هذا هو ما تأكله العصافير في يوم واحد. إذن فهي الحرب. إما أن تأكل العصافير غرامات الزيتون الرهيبة هذه و إما أن يأكلها الإنسان. الغيمة الجميلة تتحول إلى كابوس. يجب نسفها و تفجيرها. و هذا هو ما يحصل حقا. 

تتقدم القوات المسلحة التونسية للقيام بهذه المهمة. و هي مهمة واضحة و محددة: القضاء على ملايين العصافير، لأنه إما أن تأكل هي حبات الزيتون و إما أن يأكلها الناس و لا يوجد حل وسط. 

العصافير تهبط في أماكن محددة، في دغل صغير او بستان أو في صف من أشجار الزينة في الشارع. كل عصفور يعرف شجرته و يعرف الغصن الذي ينام عليه. و لن يحصل تغيير في البرنامج مطلقا. إذن ياتي الجنود في النهار يحملون أكياسا بلاستيكية. يضعون في كل كيس كيلو غراما أو اثنين من الحصى (الحصمة) المكسر و قطعة من الديناميت و يضعون الأكياس على أغصان أشجار الدغل و على الأرض بعد أن يتم ربطها جميعا بفتيل. تأتي عصافير الزيتون، عصافير الغيمة في المساء و تحط على أغصانها كل عصفور يعرف مكان قدميه. و ينتظر الجحود حتى يكتمل النزول و تنتهي الضجة. و فجأة: بوم.. و يشتعل الليل و يحصل الانفجار. يطير الحصى المكسر في كل اتجاه و يضرب أجنحة العصافير و رؤوسها و قلوبها و حبات الزيتون التي التهمتها. و حين ينقشع الدخان يكون قد تساقط تحت أشجار الدغل ثلاثة أو أربعة ملايين قتيل من عصافير الزيتون. و يا لها من مذبحة. يا لها من حرب على ثلاثين غراما من الزيتون بين الإنسان و العصفور. 

أمشي في شارع بورقيبة في أكتوبر من السنة التالية و انظر إلى السماء. الغيمة ليست موجودة. العصافير لم تأت بعد. و لكنها ستأتي لكي تشتعل الحرب من جديد بين الفم و المنقار. راية الاستقلال الفلسطينية (د. ع.)