،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
21 Jun
21Jun

  


روض برس 

"الاعتبارات الإنسانية" جعلت حكومة "بيدرو سانشيس" تتعامل مع زعيم جبهة البوليساريو بتسامح مطلق رغم أنه متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. و بذات اللازمة أقنع المجلس الوزاري بإصدار عفو، يوم غد الثلاثاء، عن تسعة من الانفصاليين الكطلانيين القابعين في السجن. 

ليس غريبا كيف يتعامل الزعيم الاشتراكي مع ملف الصحراء المغربية و ملف كطلونيا بمنطق ليس فيه أدنى اعتبار للعقلانية السياسية. فبعد السماح لزعيم البوليساريو بمغادرة إسبانيا، بدأ يقوم بجهود مضنية لإقناع وزرائه و حزبه و باقي الأحزاب و معهم الرأي العام و القضاء بضرورة منح العفو عن الوزراء الانفصاليين في الحكومة السابقة لإقليم كطلونيا على الرغم من أن هؤلاء الانفصاليين ارتكبوا جريمة تنظيم استفتاء يوم فاتح أكتوبر 2017 لفرض استقلال إقليم كطلونيا عن باقي أراضي الدولة الإسبانية ضدا على القوانين المنظمة للحكومات الذاتية، ما جعل الحكومة المركزية في عهد رئيس الحكومة السابق "ماريانو رخوي" ترد بقوة و تعتقل كل المسؤولين عن ارتكاب حماقة الانفصال فيما زعيمهم الرئيس الأسبق، "كارلوس بويغموند"، مهندس فكرة الانفصال، هرب إلى بلجيكا و مباشرة حكمت العدالة على المعتقلين من الانفصاليين بتهم التمرد و العصيان و اختلاس الأموال العامة بأحكام ثقيلة. 

كان جواب المحكمة العليا برفض طلب "بيدرو سانشيس" منح العفو عن المعتقلين الانفصاليين منطقيا على المستويين السياسي و القانوني لأنها لا ترى سببا وجيها يجعلها تستجيب لطلب رئيس الحكومة خصوصا و أن حجتها القوية في موقفها هي أن المعتقلين الانفصاليين لم يعبروا عن ندمهم على ارتكاب جريمة الانفصال عبر الدعوة له و ممارسته بواسطة استفتاء غير قانوني مازالت كطلونيا تعيش بسببه الفوضى و العنف و عدم الاستقرار ، و على الرغم من ذلك، فإن "بيدرو سانشيس" يصر على فرض طلبه بالعفو عن الانفصاليين الكطلانيين ضدا على رأي و مواقف الجميع، بمن فيهم أطر الحزب الاشتراكي الذي يتزعمه، بحجة ما أسماه "التعبير عن الإنسانية" و هو منطق لا يمكن استيعابه و لا فهمه حيث ليست له أدنى مرتكزات إستراتيجية ترشح ملف كطلونيا الشائك لأفق تضمن فيه الدولة الإسبانية وحدة أراضيها و القضاء النهائي على النزعات الانفصالية. 

هل هي صدفة أن يتعامل رئيس الحكومة الإسبانية "بيدرو سانشيس" بمعيار "الاعتبارات الإنسانية" مع كل من انفصاليي كطلونيا و  زعيم جبهة البوليساريو الانفصالية؟ أعتقد أن اعتماد "سانشيس" نفس المعيار في تعامله مع المسألة الكطلانية و قضية الصحراء المغربية يعكس في حقيقة الأمر ما يمكن أن نسميه باللاوعي في الممارسة السياسية رغم أن مصطلح سغموند فرويد ينتمي لحقل التحليل النفسي الذي ربما يفيدنا في رصد عقلية و سلوك زعيم لأقوى حزب اشتراكي في إسبانيا الذي من المفروض أن يشتق تكتيكاته و ممارساته السياسية من منظور فكري تقدمي و إنساني بالمعنى الحقيقي، لا بالمعنى الشعبوي الذي يقود البلد إلى المجهول، حيث يعطي لليمين، من حيث لا يدرى، إمكانيات هائلة في تقوية شعبيته و في اكتساب المزيد من ميزان القوة، و هو ما عبرت عنه انتخابات حكومة مدريد المحلية كمؤشر قوي، و ما أشارت له تقديرات كثير من المحللين التي تفيد ان القوة السياسية الأولى في إسبانيا الآن هي الحزب الشعبي بزعامة "كاسادو" و الذي يجنى مكاسبه في تقوية شعبيته و نفوذه من أخطاء "بيدرو سانشيس" الذي يمزج التهور بالسياسة فقط لكي يسد الفراغ بعيدا عن أية رؤية سياسية. و على هذا الأساس يمكن فهم معيار "الاعتبارات الإنسانية" كما وظفه "بيدرو سانشيس" في حالة كل من الزعيم الانفصالي إبراهيم غالي و ملف كطلونيا. 

فالجميع أصبح يعي جيدا درجة الانزلاق الذي تسببت له فيها لوثة الأطروحات الانفصالية التي كان زعيم بوديموس "بابلو  إغيسياس" يحاول أن يقنعه بها، و رغم أنه كان يرفضها بالمطلق في السابق، انتهى به الأمر إلى أن أصبح مقتنعا بها و يدافع عنها في وقت طلق فيه "إغليسياس" السياسة بعد الهزيمة السياسية التي تلقاها في انتخابات مدريد على يد مرشحة الحزب الشعبي. 

و بشكل موغل في الكاريكاتورية يقول "بيدرو سانشيس" في لقاء بارشلونة أنه لا يتوقع ان يتخلى دعاة الاستقلال عن مثلهم العليا، مطالبا بان "يلتزم كل منا بالميثاق الدستوري"، و بأن مسألة العفو عن الانفصاليين تتعلق بمنح المواطنين لقاء جديدا للمجتمع الكطلاني و دافع الزعيم الاشتراكي عن أن منح العفو الحكومي هو الحل الوحيد الممكن لإعطاء حل للصراع المؤسساتي والسياسي والاجتماعي الذي خنق كاتالونيا لسنوات، معتبرا العفو بمثابة قرار تم التوصل إليه بسبب "خطأ" من الجميع: المستقلون الذين تحدوا النظام الدستوري، و أيضا، بسبب عدم استجابة الدولة. 

و في كل تعبيراته لا يطرح رئيس الحكومة الاسبانية و زعيم الحزب الاشتراكي العمالي تصورا سياسيا يمكن ان يستشف منه مخرجا حقيقيا لمعضلة الانفصال في كطلونيا التي تتهدد الدولة الاسبانية، اللهم إذا كانت نيته أن يتعامل بذات المنطق دون ان يكون مهتما بالفعل بضرورة درء مخاطر الانفصال التي وصلته شعاراتها بقوة و هو يلقي كلمته في القاعة التي اجتمع فيها مع فعاليات المجتمع المدني الكطلاني حيث كان لسان حال الكثير من الانفصاليين يقول: العفو و الاستقلال.

إذن، "بيدرو سانشيس" سيعطي لزعماء الانفصال في كطلونيا العفو، بينما لا يستطيع ان ينزع منهم ضمانات بعدم تكرار تدبير أعمال الانفصال بما فيها العودة لتنظيم استفتاء قد يفرض على الدولة التجزئة و بناء جمهورية مستقلة في إقليم كطلونيا.