،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
19 Sep
19Sep




كتب يوسف الشايب

موشي دايان (1915-1981) معروف كأحد وجوه مشروع الاحتلال والتوسع الإسرائيلي، لا سيما بعد توليه وزارة الدفاع خلال حرب العام 1967، وما أسفرت عنه من احتلالات، لكن ما الذي يجعل دايان يحضر في معرض فنّي بمؤسسة عبد المحسن القطان بمدينة رام الله، والحديث هنا عن معرض "فلسطين من الأعلى"، وما علاقته بالجانب التأريخي ذي البعد الثقافي؟!

الإجابة ببساطة أن دايان انخرط في الحفريات غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما انخرط في سرقة المواقع الأثرية، وشراء وبيع الآثار لمصلحته الشخصية، كما كان ينهب المواقع الأثرية أثناء قيام علماء الآثار المحترفين بالتنقيب عنها، لدرجة أنه كان، وبحكم منصبه، يعيق الحفريات التي هي بالأساس غير شرعية أيضاً لكونها في أراضٍ محتلة.

دايان، وحسب ما جاء في المعرض، الذي اشتمل على صور له تدلل على هذه المعلومات، كان يستخدم المعدّات العسكرية ويستعين بجنود من جيش الاحتلال لتحقيق ذلك، ولمصالح شخصية، وسط حالة من غض البصر توّرطت فيها حكومة الاحتلال، حينذاك.

وعلى الرغم من صمت علماء الآثار الإسرائيليين إزاء الأفعال اللصوصية لدايان، إلا أنهم قاموا بعديد الدراسات، بل إن بعضهم نشر تقارير حول الآثار القديمة والثمينة التي سرقها، ولكن دون ذكر طريقة حصوله عليها.

وتظهر الصور في معرض "فلسطين من الأعلى"، مشاهد متنوعة لموشيه دايان بمفرده أو مع مجموعة من أصدقائه، يستعرضون قطعاً أثرية نفيسة من بين مجموعته التي باتت شخصية، والتي هي بالأساس منهوبة في جريمة مزدوجة، الأولى هي كونها آثاراً فلسطينية تقع في الأراضي الفلسطينية المنهوبة بأكملها، فوقها وأسفلها، والثانية تتعلق باستغلال نفوذه كوزير لجيش الاحتلال في سرقة ونهب هذه النفائس لمنافع شخصية.

وتشير التقارير، ومنها ما نُشر في المعرض، إلى أنه على مدار ثلاثة عقود (1951-1981)، جمع دايان أكثر من 800 قطعة أثرية يعود الكثير منها إلى آلاف السنين، بدءاً من قطع أثرية تعود إلى 7 آلاف سنة قبل الميلاد، وحتى فترة ما يعرف بـ"تدمير الهيكل الأول" في العام 685 قبل الميلاد، بحيث اشتملت هذه المجموعة الدايانية على قطع فخاريّة وخزفية، وأوانٍ قديمة، وتماثيل، وتوابيت، وغيرها.

وحسب العديد من الباحثين، وكما جاء في المعرض، فإن دايان نفّذ معظم أنشطته المرتبطة بذلك بعد حرب العام 1967، خاصة بعد أن أحكم قبضته على الجيش، بحيث تمكن من سرقة ليس فقط التراث الفلسطيني من الضفة الغربية بما فيها القدس ومن قطاع غزة، بل والتراث المصري من سيناء على امتدادها الجغرافي الشاسع، ودون أي رقابة أو مساءلة.

وبحسب مقالة نشرت في مجلة "الأهرام الأسبوعية"، فإن إسرائيل لم تُعِد إلا ربع الآثار المسروقة على يد موشي دايان ورجاله من صحراء سيناء، فالطائرة التي أُرسلت إلى مصر في العام 1995 حملت 500 صندوق من التحف، لكنها لم تكن تحوي أيّاً من القطع النادرة التي استولى عليها الجنرال، وأنه يستحيل تحديد عدد القطع المسروقة من موقع سيناء بشكل دقيق، إلا أنّ علماء الآثار يقدّرون أن "عملية سيناء" جعلت دايان يسرق عشرات الآلاف منها بعمليات حفر ضخمة.

ويعترف عالم الآثار الإسرائيلي "أفيس غورون" المسؤول عن الحفريات في سيناء لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي بين العامين 1978 و1982 أن "موشي دايان كان يعطي الأوامر بالتدمير الكامل للمواقع الأثرية بعد سرقتها بحيث يستحيل اليوم تقويم الأهمية التاريخية لهذه المواقع". 

ومن بين أكبر عمليات نهب وسرقة الآثار التي قام بها موشي دايان، كانت في "دير البلح" بقطاع غزّة، حيث عثر على عشرات من النواويس المنحوتة على شكل بشر تعود إلى العصر البرونزي القديم (5000 ق.م.)، فاستخرجها واستحوذ عليها واستملك محتوياتها، وكلها تحف لا تقدّر بثمن.

كما كان دايان يتلقى ويمنح الآثار القديمة بأريحية، ولذلك كان ثمة خلط ما بين الهدايا والآثار المُكتسبة والآثار المنهوبة، كما كان يشتري الكثير منها، وعلى نطاق واسع، من متاجر متخصصة بأسعار بخسة للغاية، ومنها متاجر في الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967، بحيث كان من بين أبرز الشخصيات وأكثرها نفوذاً في سلطات الاحتلال، كما كان يعرض بفخر تلك الآثار المسروقة، ويلتقط الصور معها في "الحديقة الأثرية" التي أسسها في منزله بمستوطنة "تساهالا".

ولم تقتصر عمليات السرقة هذه على المواقع الأثرية في الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد حرب حزيران، إنما قام دايان بحفريات داخل الأراضي التي احتلت في العام 1948. وقد أحصى عالم الآثار راز كليتر خمسة وثلاثين موقعاً أثرياً سرقها "الجنرال" وأصدقاء له "تعلموا منه" حبّ الآثار، وشاركوه فرحة "الاكتشاف".

جدير بالذكر أنه، بعد وفاة دايان العام 1981، قامت أرملته راحيل ببيع مجموعته الأثرية لمتحف إسرائيل بمليون دولار أميركي، فيما أقام هذا المتحف معارض لمجموعة دايان هذه في العامين 1982 و1996، مبرّرين سرقة الآثار بأنها كانت ستتعرض للتدمير أو لم يكن ليلتفت إليها أحد لولا أن دايان احتفظ بها، بل إن عدداً من المستشرقين تعاملوا مع دايان بصفته "المنقذ"، بينما كان في واقع الأمر من بين من ساهموا بالعمل على تدمير التراث الفلسطيني، وسرقة ما أراده منه.

موقع "الأيام"