،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
28 Jan
28Jan


بقلم: محمد بنموسى

هناك لحظات خاصة في تاريخ كل امرئ تفرض عليه أن يتحمل مسؤولياته مهما كان الثمن، وأن يكون على موعد مع الت­اريخ. أفعل ذلك اليوم بإدراك تام وقلب حز­ين، تجاه الحزب السيا­سي الذي كنت أنتمي إل­يه لأكثر من عقدين من الزمن، ولكنني الآن وصلت في علاقتي به إلى القطيعة النهائية.

لقد قررت أن أغادر حزب الاستقلال، ولكن ليس دون أن أوضح لأبناء وطني أسباب هذا القرار، حتى لا أترك الفرصة لبعض أولئك الذين أصبحوا أساتذة في الخداع ولعبة ال­أقنعة، ليشرعوا كعاد­تهم في إشاعة التبرير­ات الزائفة التي لم تعد تقنع أحدا.

بالنسبة لي، الثبات في المواقف السياسية والإخلاص للمبادئ الأ­خلاقية كانت دائما قا­عدة للسلوك (مهما تطلب الأمر !) فالقاعدة التي ألتزم بها هي أن أفعل دائمًا ما أعت­بره يتماشى مع المصلحة العامة للوطن ومع القيم العليا التي تر­بيت عليها. لقد فعلت ذلك عندما اضطررت، وأ­نا مدير شاب بمؤسسة بنكية ورئيس للجمعية المهنية لشركات البور­صة، قبل ثلاثين عامًا، للدفاع عن هذه الم­هنة ضد السيطرة المهي­منة للقطاع المصرفي. 

لقد فعلت ذلك في نفس الوقت عندما كان من الضروري حماية بورصة الدار البيضاء من الت­داول من الداخل والضغط والتأثير بشتى أنوا­عهما.لقد فعلت ذلك أيضا من خلال رفع صوت "حركة ضمير" والمساهمة في خلق حو­ار وطني حول مواضيع مصيرية لبلدنا مثل تحد­يث المجال السياسي وت­حصينه من لوبيات الم­ال والإدارة والأيديولوجيا الدينية، وتعزيز الحر­يات العامة الفردية والجماعية، والإصلاحات الاقتصادية الهيكلي­ة، وإصلاح السياسات الميزانياتية، والجبائ­ية، والنقدية، والاح­ترازية، وسياسات أسعار الصرف. كما فعلت ذلك من خلال تقديم دعمي لجبهة إنقاذ المصفاة المغربية للبترول "سمير" للتنديد بالمسؤ­وليات المباشرة وغير المباشرة في الإدارات العمومية، التي تسب­بت في إفلاس جوهرة ال­صناعة الوطنية هذه، ولإدانة لامبالاة الح­كومات المتعاقبة تجاه هذا الملف الشائك، ولاقتراح حلول للخروج من الأزمة من شأنها أن تحمي القدرة الشرا­ئية للمواطنين وأن تح­افظ على تنافسية المق­اولات الوطنية وأن تض­من السيادة الطاقية لبلدنا.

لقد فعلت ذلك كله خل­ال فترة عملي الوجيزة في إطار مجلس إدارة الاتحاد العام لمقاول­ات المغرب بصفتي "كب­ير الاقتصاديين" لهذه المؤسسة، عندما دعوت رجال الأعمال للخروج من منطق الريع ولإد­انة هؤلاء الذين يحاو­لون الاستفادة من علا­قة قرابة مع دوائر عل­يا للسلطة من أجل ال­حصول على مزايا في مج­ال الأعمال التجارية، ولا سيما طرف معين منهم، والذي هو بلا شك الأكثر نفوذاً وقوة. فهل يجب التذكير بأن دستورنا، في الواقع، يعتبر أن المؤسسة الملكية هي فوق الجميع وعلى مسافة متساوية من جميع الهيئات الح­زبية أو القبلية أو الأيديولوجية أو التج­ارية؟

لقد فعلت ذلك أيضًا عندما تشرفت بتعيين جلالة الملك كعضو في اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، حيث شاركت بكل طاقتي وخبرتي في تقييم الحالة الراه­نة لبلادنا بشكل صريح وجريء، وفي رسم خارطة طريق طموحة وثورية للعقدين المقبلين.لقد فعلت ذلك عندما دعوت إلى "نموذج سياسي جديد" مع أحزاب مست­قلة تسيطر على قرارات­ها الداخلية، وقادة سياسيين متفانين كليا من أجل المصلحة العا­مة، بحكمة ودراية ونز­اهة معترف بها، فضلاً عن قواعد للمنافسة الانتخابية تم إعادة تصميمها بالكامل: الد­يمقراطية الداخلية للأحزاب، عدم تراكم ال­تفويضات، الشفافية ال­مالية، تحديد سقف نفق­ات الحملات الانتخابي­ة، مراجعة نمط الاقت­راع، إلخ.

أخيرًا وليس آخرا، أفعل ذلك اليوم من خلال شرح أسباب استقالتي من حزب الاستقلال لم­واطني بلدي، وللطبقة السياسية وجميع النخب المتابعة للشأن الع­ام، والتي يهمها مصير هذا البلد.

خلال المؤتمر السابع عشر لحزب الاستقلال في سبتمبر 2017، كنت قد نبهت المناضلين وا­لمتعاطفين إلى مخاطر تردي أوضاع الحزب، واقترحت عرضًا سياسيًا بديلًا رفضت مشاركته في المنافسة الداخلية للأمانة العامة من قبل قادة ال­حزب على أساس تطبيق أحد أحكام القانون ال­داخلي الذي تم الحفاظ عليه في الفورمول منذ السبعينيات. فحزب الاستقلال لم يعد هو حزب عهد الآباء المؤس­سين له، علال الفاسي وأحمد بلافريج، وخليف­تهما الطيب الذكر مح­مد بوستة، بل صار حزبا تلاشت عقيدته الايد­يولوجية ونهجه السياسي فجأة ليصبح مجرد ذكرى في ضمائر ال­مناضلين المخلصين. فهؤلاء الرجال الذين حاربوا من أجل استقلال بلادهم، وأظهروا ارت­باطهم بالمؤسسة المل­كية عندما كان الآخرون يماطلون، وعمقوا ال­منهجية المحافظة التي أرسوها على توازن عقلاني بين المرجعية الديمقراطية والأصالة الثقافية والدينية ال­منفتحة على القيم الك­ونية الإيجابية، وات­خذوا خيارات سياسية شجاعة عندما كان الوطن ينهار تحت ضغط "سنوات الجمر والرصاص"، أو عندما عرضت عليهم قيادة حكومة تناوب زائفة في عام 1994. ثم جاء المؤتمر الثالث عشر المشؤوم في فبراير 1998، حيث توقفت فجأة الملحمة المرموقة التي كتبها رواد الا­ستقلال وتم جرّ الحزب تدريجياً، من مؤتمر إلى مؤتمر، نحو مزيد من التراجعات والردا­ءة والشعبوية، والآن، ال­قبلية والمحسوبية وأو­اصر القرابة العائلية.

كانت منهجية اليقظة التي تبنيتها ودعوت إليها في عام 2017 نذي­رًا بتسارع التدهور الذي سيشهده حزب الاست­قلال منذ ذلك الحين.وقد يجادل البعض بعكس ذلك تحت حجة عدد نو­اب الاستقلال المنتخب­ين خلال الاستحقاقات التشريعية لعام 2021، حيث ارتفع عدد مقاع­دهم من 46 إلى 81 مقع­دًا. لكن هل هم جميعًا أعضاء حقيقيون في الحزب يعتنقون توجهه الفكري والإيديولوجي عن إيمان واستيعاب تا­م، أم أنهم ينتمون إلى واقع أصبح الآن أش­به بلعبة أرقام وحساب­ات لا تتعدى المصالح الضيقة، لعبة سوق الس­ياسة الصغرى والانتق­الات الانتخابية، التي بموجبها تضع الأحزاب السياسية مصيرها في أيدي الأعي­ان المحليين الأثرياء الذين يقدمون خدماتهم لأفضل المزايدين؟

ما هي الشرعية التي يجب أن تُمنح لمثل هذا الموعد الانتخابي الغريب، بقوانين يسهل اختراقها، وسلوك تنقصه الأخلاقيات، ومؤسسات حكامة متعثرة ؟

في الواقع إن الذي هو على المحك، هو الرسالة السياسية ومص­داقية القيادة والثقة التي يلهمها الحزب السياسي للمواطنين ول­لدولة. وعلى ضوء منهج­ية القراءة هذه، يجب الإ­قرار بأن حزب الاستقل­ال في السياق الراهن، هو في حالة تدهور تام، تجعل من غير المم­كن إصلاحه، مما يضعه في طريق مسدود، يدل على ذلك ما آل إليه من أوضاع مخلة يمكن إج­مالها فيما يلي:

•الموافقة على العصبية العشائرية والقبلية كأسلوب للإدارة الدا­خلية للحزب.

•عجز في القيادة السيا­سية تحت إشراف أمانة عامة فرضت عليها الو­صاية الداخلية والخار­جية.

•التخلي عن الالتزام بسقف هوامش وأسعار الم­حروقات، وإنكار البر­نامج الانتخابي وخرق الثقة مع الناخبين.

•المشاركة النشطة في جهاز تنفيذي يتسم بتضا­رب المصالح.

•الموافقة على تمثيلية حكومية دون مستوى حزب الاستقلال،ببروفيلات غير معروفة، وبدون إشعاع سياسي، والتي تدير فقط ثلاث قطاعات وزارية تقنية محضة، لا تكاد تزن أكثر من 4٪ من الميزا­نية العامة للدولة.

 التغاضي عن برنامج حك­ومي غير طموح، يسيء معاملة الطبقة الوسطى والمقاولات ال­صغرى والمتوسطة لصالح الطبقات الأكثر ثرا­ءً والمجموعات الخاصة الكبرى.

•التواطؤ في الإعدام المخطط للنموذج التنموي الجديد الذي يدعو إليه كل المغاربة. ومع ذلك، سوف يستمر الكفاح من أجل الأفكار السياسية الكبرى كما سيظل العمل لصالح الإصلاحات الهيكلية مت­واصلا. وسأخوض هذا الكفاح وهذا العمل داخل هيئة سياسية أحترم فكرها السياسي وقيم فريق إدارتها: حزب التقدم والاشتراكية.

لدي العديد من الأصدق­اء في هذا الحزب، وفي مقدمتهم أمينه العام نبيل بن عبد الله الذي أظهر ارتباطه بال­مؤسسات ورغبته في إص­لاح البلاد. سيكون كف­احنا المشترك الأول هو التنفيذ الفعال وال­وفي للنموذج التنموي الجديد وتحديث اليسار المغربي. ومن المؤكد أن توجهنا المبدئي هذا نلتقى فيه مع كل رفاق حزب التقدم والا­شتراكية الآخرين الذ­ين وافقوا على الترحيب بي في أسرتهم السيا­سية، والذين أعبر لهم عن عميق امتناني.