،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
04 Aug
04Aug


بقلم: جنى الدهيبي


كل اللبنانيين ضحايا الانهيار الكبير. نساءً ورجالًا وأطفالًا وشيوخًا، وحتى المقيمين غير اللبنانيين من لاجئين ونازحين وعمال أجانب. هذا المبدأ العام، لا ينفى حقيقة أن الانهيار الاقتصادي والمعيشي عينه، كشف حجم الانتهاك الذي تتعرض له النساء والفتيات في لبنان، ما جعل منهن ضحايا النظام العام الذي قام منذ تأسيسه على معايير التمييز والمفاضلة، بالجنس والهوية والمنطقة والطائفة والانتماء السياسي.
وفي بلدٍ تُقتل به النساء من دون محاسبة القتلة، يتعرضن لشتى أنواع العنف، وكذلك التمييز بالقوانين داخل المحاكم الشرعية والروحية، وبالعمل، والحياة الاجتماعية، ولم يكتسبن حقًا بديهيًا بمنح الجنسية لأبنائهن..
لكن، كيف كشفت الأزمة التي تعصف لبنان منذ منتصف 2019، أن النساء والفتيات يتكبدن تداعيات مضاعفة للانهيار، وكأنهن فى أدنى أولويات السلم الاقتصادي؟ 


فقر الدورة الشهرية 

تحت عنوان "فقر الدورة الشهرية"، كشفت دراسة أجرتها شركة Statistics Lebanon ltd بتكليف من جمعية FEMALE وPLAN international، العوامل المؤثرة على إدارة الدورة الشهرية لدى النساء والفتيات، وسلطت الضوء على تداعيات الأزمة الاقتصادية والصّحية لناحية توفرّ المنتجات الصحية والسلوكيات المتبعة. (راجع "المدن")


وهدفت الدراسة التي نشرها الأربعاء 14 تموز 2021، إلى تحديد نسب النساء والفتيات اللواتي يعانين من "فقر الدورة الشهرية"، أي من عدم القدرة على الحصول على منتجات النظافة الصحية ومستلزمات الدورة الشهرية.


وشملت الدراسة 1800 أنثى تم التواصل معهن، وتراوحت أعمار المشاركات ما بين 12 و45 عاماً، وقد تم تقسيمها إلى ثلاث فئات عمرية: ما بين 12 و18 عاماً، ما بين 19 و30 عاماً، وما بين 31 و45 عاماً.
وتوزعت العينة على مختلف المناطق اللبنانية، وشملت: 1200 أنثى لبنانية، 400 أنثى سورية، و200 أنثى فلسطينية.


ولأن السكان في لبنان اضطروا إلى تغيير الكثير من عاداتهم الاستهلاكية، في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار، تعدّ عادات استهلاك منتجات الدورة الشهرية من أبرز الأمور التي شملها هذا التغيير.


آثار جسدية ونفسية

وحسب نتائج الدراسة، فإن 76% من النساء والفتيات يعانين من صعوبة الوصول إلى منتجات النظافة الصحية ومستلزمات الدورة الشهرية، بسبب الارتفاع الحادّ في الأسعار. كما تبين من خلال الأرقام ترتب آثار صحية جسدية ونفسية على النساء والفتيات نتيجة هذا التغيير. وأظهرت النتائج انعكاس الوضع الاقتصادي المتدهور على سلوك النساء والفتيات القاطنات في لبنان، وذلك لناحية عادات استهلاك منتجات الدورة الشهرية، إذ لاحظت أيضاً غالبية 79% من النساء والفتيات تغيرًا في عادات استهلاك منتجات الدورة الشهرية.


وأشارت الدراسة أن النساء والفتيات من مختلف الجنسيات قد تأثرن بالارتفاع الحاد في أسعار منتجات الدورة الشهرية، وقد بلغت النسبة 85.5% لدى النساء والفتيات السوريات، بينما بلغت 74.6% لدى اللبنانيات.


وارتبط تأثر النساء والفتيات بدخل أسرهن، إذ تبين أن 59.5% منهن يعشن في أسر يبلغ دخلها الشهري 675 ألف ليرة أو أقل، و41.8% يتراوح دخلها الشهري ما بين 675 ألف ليرة و1.5 مليون ليرة.


طرق غير صحية

وحسب الدراسة، باتت الصحة الجسدية للنساء والفتيات أكثر عرضة للتأثر، نتيجة لجوئهن إلى عدة طرق غير صحية خلال فترة الدورة الشهرية. وأظهرت النتائج أن 41.8% منهن اضطررن إلى تقليل كميات منتجات الدورة الشهرية المستخدمة، أو استخدامها لفترة أطول، علماً أن هذه النسبة ارتفعت إلى 60.5% لدى النساء والفتيات السوريات، وأن 87.9% غيّرن سلوكهن، عزَين السبب لارتفاع الأسعار بشكل كبير، و36% عانين من أعراض جسدية بسبب عدم تمكنهن من شراء حاجات الدورة الشهرية ومنتجات النظافة.


القلق والتوتر 

لاحظت الدراسة نتيجة هذا الوضع الآثار المترتبة على الصحة النفسية للنساء والفتيات. إذ عانت 43% منهن من مستوى معين من القلق والتوتر، وانعكس الأمر على اللبنانيات والسوريات على حد سواء، وإن بدرجات متفاوتة.


ومن أبرز النتائج أيضًا التي وردت بالدارسة، أن 35.3% من النساء والفتيات في لبنان استخدمن مصطلح "فقر الدورة الشهرية" للحديث عن حالتهن، وأن 74% لا يشعرن بالراحة عند مناقشة موضوع الدورة الشهرية مع الذكور، وأن 77% لا يشعرن بالارتياح عند مناقشة هذا الأمر مع والدهن أو أصدقائهن.


اقتصاد النساء

وتحت هاشتاغ #نشفتولنا_دمنا، انطلقت على منصات التواصل الاجتماعي، الحملة الداعمة للنساء والفتيات إثر اشتداد معاناتهن بالدورة الشهرية.


وفي السياق، تشير الناشطة النسوية والمديرة التنفيذية بالشراكة في منظمة Fe-Male، عليا عواضة، أن الأزمة الاقتصادية في لبنان تؤثر بلا شك على جميع المواطنين والمواطنات، وليست محصورة بالنساء والفتيات. ولكن ما يحدث وفق حديثها لـ"المدن"، أن كل ما يتعلق بالنساء والفتيات، أصبحت أسعاره مضاعفة، ولم يجرِ دعمها أبدا، خصوصاً أن احتياجاتهن غير مرئية بالنسبة للنظام العام. لذا، جاءت تداعيات الأزمة الاقتصادية مضاعفة عليهن، وتبين أن النساء في لبنان يقبعن بأدنى سلم الأولويات الاقتصادية. فـ"حين لا تكون قادرة على شراء الفوط الصحية، يعني أنها غير قادرة على شراء معظم الأشياء التي تستخدمها كامرأة".


وتلفت عواضة أنه خلال إجراء الدراسىة، لاحظت أن معظم النساء كن يفضلن شراء ربطة خبز أو حاجات غذائية لأطفالهن وعائلتهن، مقابل اللجوء إلى بدائل غير صحية.


وتعتبر الناشطة النسوية أن النساء حالياً، يتحملن مختلف الأعباء الاقتصادية، وعندما صار حليب الأطفال شبه مقطوع، صار البعض يهرب من أصل المشكلة، عبر المطالبة باللجوء إلى الرضاعة الطبيعية فقط.
وتدرك عواضة أن الانهيار الاقتصادي أثر على جميع سكان لبنان، "لكن ضحيته الأولى هن النساء، ومن ثم الفتيات، لأن المطلوب دائماً، أن يبادرن بتقديم التنازل، ولو على حساب صحتهن الجسدية والنفسية".
وبالتالي، المشكلة الأساسية، وفقها، تعود أن الاقتصاد بطبيعته مؤدلج بطريقة تقوم أولاً على إقصاء النساء المستمر، وتحديداً خلال الأزمات الكبيرة. وما تعيشه النساء خلال الأزمة الراهنة، "هو نموذج بسيط لكيفية تعاطي الدولة مع النساء والفتيات وحقوقهن وتجاهلها لحاجاتهن بسياقات متعددة".

موقع "المدن"