،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
20 Dec
20Dec


بقلم: المصطفى روض

انتهى، يوم أمس الأحد 19 دجنبر، اقتراع الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية بالتشيلي بفوز تاريخي حاسم لمرشح كتلة اليسار، الشاب "غابرييل بوريك"، بنسبة 55،87 في المائة على مرشح الجبهة الاجتماعية المسيحية التي تمثل مصالح و سياسات اليمين المتطرف و الذي حاز على نسبة 44،14 في المائة. 

و ما ميز الانتخابات الرئاسية عن سابقاتها، هو أن التصويت الحر و الطوعي فيها كان كبيرا، كما أن الرئيس اليساري الفائز "بوريك"، الذي حصد أكبر الأصوات في تاريخ الانتخابات، عمليا هو أصغر رئيس في تاريخ التشيلي منذ قبل قرنين بحكم أن عمره لا يتجاوز 35 سنة و هو الحد الأدنى الذي يشترطه الدستور الحالي للترشح إلى الانتخابات الرئاسية، فضلا عن انه ولد بعد كارثة الانقلاب الفاشي الذي قاده "أغوستو بينوتشي" ضد الرئيس المنتخب شرعيا، "سالفادور أليندي"، بأمر من الرئيس الأمريكي الأسبق "ريتشارد نيكسون". 

و ما أن أعلنت نتائج الانتخابات التي جرت في جو من النزاهة التامة و التباري الديمقراطي، حتى لجأ مرشح اليمين المتطرف إلى الاتصال هاتفيا بالمرشح اليساري الفائز حيث هنأه على فوزه و تمنى له، في نفس الوقت، التوفيق في تسيير البلد. 

و بعد ذلك، اتصل الرئيس اليميني الحالي، "سيباستيان بينييرا"، بالمرشح اليساري الفائز عبر تقنية الانترنيت الافتراضية ليبلغه التهاني بفوزه، لكن حكومته عاب عليها الكثيرين على تورطها في تعطيل وسائل النقل العمومية في العديد من المدن التي توجد فيها ساكنة مؤيدة للمرشح اليساري ما جعل الكثير منهم يحرمون من التصويت.  

علاقة الرئيس "بينييرا" باليساري الفائز كانت دائما علاقة صراع مرير، ففي ولايته الأولى و ابتداء من 2011 كان "بوريك" قائدا للحركة الطلابية التي حولت الشوارع و الساحات المقابلة للقصر الرئاسي إلى مواجهات يومية مع القوات الأمنية لسنوات كانت خلالها تطالب بإصلاح المنظومة التعليمية و باعتماد مجانيتها و تحسين جودتها. 

و بعد ان تخرج انتخب برلمانيا لمواصلة نضاله من داخل المؤسسة التشريعية، لكنه، في ذات الوقت، كان منخرطا في الحراك الاجتماعي الذي كانت من مطالبه الأساسية إسقاط النظام النيوليبيرالي حتى انه كان يواجه بشجاعة نادرة عناصر الجيش و يحثهم على العودة الى الثكنات ليتركوا الشعب يمارس حراكه بحرية. 

الإعلان عن نتيجة فوز اليساري "غابرييل بوريك" حفزت الملايين في التشيلي للخروج إلى الشوارع ليلا و التعبير عن الفرحة الكبرى في لحظة تاريخية حاسمة لأنها تعني لهم أن السلطة اليسارية الجديدة في البلد ستكون سلطتهم لتقودهم نحو الكرامة التي اختارها تكتل اليسار شعارا لحملته الانتخابية. 

لقد عمت الأفراح في العديد من الشوارع و الساحات العمومية و أطلقت في السماء القنابل الاصطناعية و مورس الرقص بإيقاعات مختلفة و رفعت شعارات لمساندة الرئيس و فريقه الانتخابي و شعارات أخرى أدانت بقوة عهد بينوتشي  و انتهاكاته لحقوق الإنسان و ديكتاتوريته التي لازال شبحها يخيم على البلد و ضحاياها يعيشون بعاهات بسبب التعذيب و استمرار وجود أتباع يمثلهم اليمين المتطرف الذي يحنون إلى عهده و لا يتورعون في التعبير عن استعادته لأنه يشكل نموذجهم الوحيد. 

فوز اليساري "بوريك" برئاسة الدولة فتح أبواب الأمل على مصراعيها و هو سيعمل بعد تسلم مقاليد الحكم في شهر مارس المقبل، بالتوازي مع المجلس التأسيسي الذي انتخبه الشعب لكتابة الدستور الجديد و البديل عن دستور بينوتشي الديكتاتوري و الذي يوجد على رأسه امرة من إثنية المابوتشي المناضلة و الاكاديمية إليسا لونكون". 

يوم ليلة أمس توجت الأفراح بالخطاب التاريخي الذي ألقاه اليساري الفائز وسط الجماهير الغفيرة، و الذي حدد فيه تصوره لبناء التشيلي الجديدة و من منظور يساري لا وجود فيه و لو لذرة واحدة من الشعبوية، كما انه خالي تماما من الإيديولوجية و ألفاظها الرنانة. 

و أحسن ما بدا به خطابه هو توجيه التحية للسكان الأصليين حيث قال "سوما آروما" بلغة آيمارا" و "بون نوي" بلغة "رابا نوي" و "بون مايي" بلغة المابوتشي (مابونجونغون) و التي كلها تعني ليلة سعيدة. 

"بوريك"، في خطابه، تحدث إلى الجميع، مشددا على أنه سيخدم البلد بأمانة كرئيس للجميع بمن فيهم الذين صوتوا لمنافسه مرشح اليمين المتطرف، و هو بذلك يظهر على انه رجل دولة و ليس رجل كتلة أحزاب محددة. فضلا عن أن تصوراته لمعالجة مشاكل البلاد و لاعتماد إصلاحات بنيوية لكافة القطاعات الأساسية التي خربها النظام النيوليبرالي المتوحش تعطي لحكومته هوية مدنية و شعبية. 

و لوحظ في خطابه قوة  النفس الوحدوي ضدا على النفس الإقصائي الذي تعتمده حكومات اليسار الشعبوي و الذي يسبب في الانهيارات و الصراعات المدمرة للبلد و مقدراته. 

"بوريك" شكر رئيسة فريقه التي قادت حملته الانتخابية بذكاء و حنكة، مستحضرا قضية المرأة و متعهدا الاهتمام بها للقضاء على المنطق البطرياركي السائد و ضمان حقوقها كاملة. كما شكر الأطفال و الطفلات الذين رافقوا حملته بإبداعاتهم و رسوماتهم دعما لترشيحه و ملأوا فريقه بالعاطفة و بالحب خلال الحملة الانتخابية، ما جعلهم يستشفون أنهم يجسدون براءة التشيلي البلد الذي يطمحون أن يكون "التشيلي الخضراء و المليئ بالحب". 

و لم يترك مجالا أو قضية لم يتحدث عنها باهتمام شديد، و على رأسها المنظومة التعليمية و ما يتطلب وضعها من معالجات ضرورية و الإصلاح في المجال البيئي و حمايته من التخريب و ضمان الحقوق الكاملة للشعوب الأصلية بما فيها اللغوية و الثقافية، و معالجة الضمان الاجتماعي الخاضع للقطاع الخاص بما في ذلك مسألة المعاشات الهزيلة و الرفع من الأجور و الاهتمام بقضايا و حقوق الطبقة العاملة و الشباب و النساء، طارحا في نفس الوقت، مسألة المصالحة ضمن تصوره للوحدة من أجل بناء التشيلي الجديدة بعيدا عن الصراعات و الاستقطابات، حيث أعطى تصورا للعمل مع الجميع، و مفتوح على مبادرات منظمات المجتمع المدني و العمل معها، و أن حكومته لن تكون قراراتها صادرة من داخل الجدران، و إنما بمشاركة الجميع و في أي مدينة أو منطقة نائية سيكون الحوار مع كافة السكان و الاستماع إليهم و إشراكهم في اتخاذ القرارات، كما سيكون قصر "لامونيدا" مفتوحا للمواطنين، رافضا أن يكون هناك في المستقبل رئيسا للبلد يعلن، لأي سبب من الأسباب الحرب على شعبه، في إشارة قوية للرئيس اليميني الحالي الذي أمر بإنزال الجيش للشوارع بهدف قمع الحراك الشعبي الكبير. 

كما تحدث بوضوح في تصوره لحريات التعبير و تعميق ممارستها، عن الاحترام الكامل لحقوق الإنسان و الدفاع عنها و تطوير مجال حمايتها، و بنفس الدرجة و القوة، دافع عن مبدأ حكومته في إيلاء الاهتمام الكبير لمسألة احترام حرية الممارسة الصحافية و ضمان الحماية للصحفيين و لحقوقهم في ممارستها بحرية كاملة. 

و بخصوص المعتقلين السياسيين الذي كانوا يشاركون في الحراك الشعبي و الذين يرفض الرئيس الحالي "بينييرا" و حكومته إطلاق سراحهم، أكد "بوريك" في خطابه بأنه التقى بعائلاتهم و تحدث معهم قائلا "نحن نعرف ما ينبغي علينا القيام به". 

حكومة "بوريك" اليسارية ستكون من دون شك حكومة استثنائية لا علاقة لها بأي نموذج شعبوي ساد في منطقة أمريكا اللاتينية، لكنها ستجسد، لا محالة، روح أليندى خصوصا مشاريعه الاجتماعية و الاقتصادية التي سبق أن بلورها من أجل تطبيقها في مجالات الزراعة لكي يستفيد منها الفلاحون و الصناعة و العمل لفائدة الطبقة العاملة و التعليم و الصحة و الحريات، قبل أن تنال منه يد الغدر في الانقلاب العسكري الأسود الذي عصف بالشرعية الدستورية. 

كما أن الرئيس الجديد الذي لا تفارقه ابتسامته، يتميز عن باقي كل اليساريين الذي جاءت بهم الانتخابات في مرحلة الانتقال الديمقراطي إلى رئاسة الدولة بما فيهم "ميشيل باشليت" لانهم كانوا فقط يطبقون سياسات النظام الليبيرالي و يهتمون باقتصاد السوق على حساب البناء الحقيقي من خلال المشاريع الاجتماعية و الاقتصادية و التعليمية، فالرئيس الحالي، رغم صغر سنه، فإن نضجه السياسي الكبير يجعله قادرا على ضمان التغيير الاجتماعي بشكل هاديء و سلمي كما يطمح له الشعب. 

معلوم أن كتلة اليسار التي اختارت "غابرييل بوريك" ليكون مرشحها للانتخابات وقف شعار "اجيز الكرامة"، تتشكل من عدة أحزاب يسارية ضمنها الحزب الثوري الديمقراطي، و الحزب الشيوعي، و الجبهة الموسعة، و هو حزب تأسس في السنوات الأخيرة شبيه بحزب بوديموس الإسباني في فكره و أسلوب نضاله. 

في الختام لا بد من الإشارة إلى أن هدفين أساسيين حققهما الحراك الاجتماعي الشعبي الذي انطلقت شرارته الأولى في أواسط أكتوبر 2019 بالعاصمة سانتياغو في ضوء زيادة طفيفة في أسعار النقل العمومي، و هذين الإنجازين هما انتخاب اليساري "غابرييل بوريك" و قبله انتخاب المجلس التأسيسي من قبل الشعب الذي ينكب منذ يونيو الماضي على كتابة الدستور بمنطق الحوار المباشر مع كافة السكان بمناطقهم و الأخذ بعين الاعتبار مقترحاتهم لكي يكون دستورا شاملا في تمثيليته لمختلف شعوب دولة التشيلي و ضمنهم الشعوب الأصلية.