،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
21 May
21May


 بقلم: المصطفى روض

 تصلح تجارب بعض المناضلين اليساريين في بلدان عديدة للاستفادة منها بالنسبة لأي اشتراكي حقيقي يطمح للنضال بصدق وفق أسس سليمة بعيدا عن الديماغوجية و الشعبوية لكي يضمن رفقة رفاقه و في إطار حركته الحزبية الثورية تغييرا اجتماعيا مرتكزا على إستراتيجية واضحة المعالم و على نظرية ثورية عقلانية يستطيع معها ضمان التحول من دون تعريض الحركة النضالية للتمييع أو الابتذال في الممارسة أو تغيير هويتها الإيديولوجية. 

و في سياق التعريف بتجارب لمناضلين اشتراكيين حقيقيين، و ليس المزيفين الذين أساءوا للاشتراكية، و تحولوا إلى مجرد استبداديين ضد شعوبهم، سنخصص، في كل مرة، مقالا حول شخصية نضالية ثورية. 

اليوم سندرج مقالا للتعريف بتجربة فتية للمناضل الاشتراكي الراديكالي و هو الرئيس المكسيكي اليساري الحالي “مانويل لوبيز أوبرادور”، الملقب ب “أملو”، و الذي، حسب تقييمي الشخصي، اعتبرته دخل التاريخ منذ اليوم الثامن من انطلاق ولايته كرئيس يحظى بشعبية كبيرة. 

و دخوله التاريخ من بابه الواسع كانت أمنيته عبر عنها في العديد من المناسبات السابقة، و ها هو اليوم، و منذ تسلمه مقاليد الحكم عام 2018، يوجه ضربة قوية للنظام النيوليبيرالي المتوحش، حيث قام بإجراءات ثورية بدأت تعطي للحياة السياسية في المكسيك معناها الحقيقي، و ثبت الثقة الكاملة بأن التغيير الاجتماعي و الاقتصادي و محاربة الفوارق الطبقية و الفساد بكل أشكاله و الإفلات من العقاب و العنف و الجريمة المنظمة و بناء البديل في كل المجالات هي مسألة ممكنة بوجود رئيس ثوري بمعنى الكلمة، يساري من طينة مختلفة عن معظم يساريي أمريكا اللاتينية. 

فأول ما قام به الرئيس تنفيذا لوعوده الانتخابية و استلهاما لروح و إرادة الشعب المكسيكي، هو العمل بأسلوب مغاير لتدمير قيم و أساليب التوحش لنظام النيوليبيرالي، الذي ساد خلال 63 سنة في كل الفترات التي حكم فيها اليمين، انطلق ببيع الطائرة الرئاسية و عرض باقي الطائرات و المروحيات المخصصة للوزراء في تنقلاتهم للبيع لكي يستخدم عائداتها المالية في مشاريع لمحاربة الفقر و لتنمية المناطق التي تعاني من الهشاشة، و من جهة أخرى، رفض أن يكون له فريق أمني لحراسته اليومية، مؤكدا على ثقة الشعب في حمايته، و قام بإدماج عناصر الحراسة الأمنية للرئيس في جهاز الشرطة، و رفض، في نفس الوقت، السكن في القصر الرئاسي “لوس بينوس”، و بدأ المكسيكيون يلجونه بقرار من الرئيس، الذي أصر على تحويله الى متحف وطني للثقافة و الفنون، فيما يستقبل المواطنين الذين يريدون تقديم شكاياتهم و مطالبهم، حيث يتكفل فريق مخصص لهذه المهمة بغاية حل كافة مشاكل المواطنين المتضررين من السياسات اليمينية.

 على مستوى الأجور، قرر الرئيس اعتماد منظور للتقشف خاص، حيث أكد على أنه لا يمكن لحكومة غنية أن تحكم شعبا فقيرا، و لذلك أعطى المثل بنفسه بعد أن قرر أن يكون أجره 40 في المائة من الأجر الذي كان يتلقاه الرؤساء اليمينيون، و بتخفيض الأجور الكبيرة للموظفين الكبار في الدولة و إلغاء معاشات الرؤساء السابقين، مع إصراره على أن خفض أجور الكبار سيتوازى مع الزيادة في الأجور الهزيلة لكافة الموظفين و العاملين في مختلف القطاعات، أما أصحاب المعاشات من المتقاعدين فسيتم رفعها 100 بالمائة و من ليس له تقاعد، و خصوصا المهمشين في المجتمع، سيستفيدون من المعاشات و من دعم الدولة لهم.

 و الشيء الجميل في شخصية هذا المناضل اليساري هو أنه مسلح ببرنامج مليء بالإنجازات التي يريد تحقيقها، و يتوفر على قوة اقتراحية ثورية هائلة، و يجمع في سلوكه بين الثقافة الديمقراطية و الواقعية في ارتكاز مطلق على إرادة الشعب و على إيمانه القوي بخدمة أكثر القطاعات الشعبية حرمانا و ضمنهم الشعوب الأصلية و مختلف الإثنيات، التي همشت كأنها كانت تعيش خارج التاريخ، و لذلك فالرئيس دائم السفر عبر الطائرات التجارية لمناطقهم، حيث يستمع لمشاكلهم و يعرض عليهم المنجزات التي ينوي تحقيقها لفائدتهم، و هي المناطق التي رأت في الرئيس “أملو”، الأمل الوحيد لإنقاذهم من الهشاشة و الضياع و المآسي الاجتماعية الناجمة عن الحرمان الاقتصادي و الاجتماعي. 

أما المعطلون فكان حظهم مع الرئيس الجديد كبير جدا، حيث كل ولاية دخلها كان يعرف مسبقا رقم المعطلين فيها و كان يقترح عليهم أن تشغلهم حكومته وفق عقود للعمل، كما لديه تصور لتشغيل العاطلين في القرى بإدماجهم في مشاريع للتنمية الفلاحية، حيث ستقوم الحكومة بدعمهم ماديا و تقنيا، و بخصوص المتضررين من إعصار تسونامي بمناطق الجنوب، فالرئيس زارهم شخصيا، و تعاطف معهم ليس فقط بالكلام، و إنما عرض عليهم برنامج لبناء الطرقات و المنازل و المرافق التي هدمها الإعصار، بالإضافة إلى أداء مبلغ هام شهريا لكل أسرة لكي يتجاوزوا الحرمان، لأن الرئيس يهمه أن يعيش شعبه الفقير في هناء و سلام و رفاه. 

ما يلفت النظر أن الرئيس الذي يسكن مع زوجته و ابنه في منزل ورثه عن والديه و هو بمساحة 59 مترا، لا يريد أن يعيش حياة البذخ كما كان يفعل رموز النظام النيوليبيرالي خلال 36 سنة من حكم اليمين، و هو يفتخر بأنه جاء إلى الحكم ليخدم شعبه، لا لكي يغتني، لأن من يريد الاغتناء و هو في الحكم سيتسبب في الفساد الذي جاء لمحاربته بقوة. 

الرئيس الوحيد الذي يستيقظ في الساعة الخامسة ليباشر عمله في الساعة السادسة باجتماع لجنة من مسؤولي القطاعات الأمنية و العسكرية لتدارس سبل محاربة الجريمة المنظمة و العنف السائد و الاتجار في المخدرات، و مباشرة في الساعة السابعة يقف يوميا في الندوة الصحفية ليرد على أسئلة الصحفيين و انشغالاتهم بثقة عالية. و يتميز بثقافته الديمقراطية العالية التي لا تنفصل عن إيديولوجيته الاشتراكية، فعندما سأله صحفي عن رأيه في تهجمات المعارضة اليمينية التي وصفته بالفاشي، أجابه بثقة في النفس و دون انفعال، متسائلا: "و أين المشكل إذن؟ فهؤلاء أصبحوا الآن في المعارضة و من حقهم أن ينتقدوني"، و لذلك فهو لا يشبه بعض اليساريين الذين ما أن يصلوا إلى السلطة حتى ينطلقوا في ممارسة الاستبداد و التضييق و الاضطهاد على المعارضين. و أزيد من هذا، فإنه تجرأ، و بثقة عالية كذلك، على اقتراح صيغة قانونية يقوم على أساسها الشعب المكسيكي في منتصف ولايته بأن يعبر بكل حرية في استمراره رئيسا للبلد و يكمل ولايته أو يصوت برفض استكمال ولايته، و هي صيغة لا يمكن أن يطرحها إلا رجل   متشبع بقيم الديمقراطية، على عكس ما فعله بعض اليساريين اللاتينيين عندما وصلوا إلى السلطة و أصبحوا رؤساء، قاموا بتغيير الدستور لكي يظلوا جالسين على كرسي الرئاسة مدى الحياة ضدا على إرادة شعوبهم بدعوى أنهم ثوريون و لا بد من استمرار الثورة التي لا وجود لمنجزاتها على أرض الواقع سوى البؤس الاجتماعي و الفساد المالي و مصادرة الحريات و قتل النفس الديمقراطي. 

و بخصوص مسألة الفساد التي تسببت في تفقير الأغلبية من الشعب المكسيكي، فإن الرئيس المكسيكي "مانويل أوبرادور"، يعرف جيدا، و هو ما عبر عنه مرات عديدة، أن الرؤساء المكسيكيين السابقين لديهم ملفات ضخمة للفساد، و تطالبه بعض القوى التقدمية و منظمات المجتمع المدني بما فيها منظمات حقوق الأنسان، بمحاكمتهم و عددهم تقريبا خمسة رؤساء، لكن الرجل بذكائه، يقول أن ليس لديه مشاكل شخصية معهم، و أن المسألة مرتبطة بالقضاء، مضيفا على أنه في حالة إذا لم يفتح أي تحقيق قضائي حول ملف الفساد، فإنه، آنذاك، كرئيس سيدعو إلى استفتاء يقرر فيه الشعب فيما إذا كان ضروريا محاكمة الرؤساء السابقين أو إعفاءهم من المحاكمة.