،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
21 Nov
21Nov



المصطفى روض 

تجري اليوم الأحد الانتخابات الرئاسية في الشيلي لاختيار رئيس جديد للدولة يتنافسون فيها سبعة مرشحين ضمنهم امرأة. 

و بالموازاة، تجري كذلك الانتخابات التشريعية لاختيار نواب البرلمان و أعضاء مجلس الشيوخ، فضلا عن الانتخابات لاختيار المستشارين للمجالس الإقليمية.

 و تعرف الشيلي تحولات هامة رسم معالمها الحراك الاجتماعي لسنة 2019 الذي تبلورت بفضله التيارات التقدمية المستقلة عن الأحزاب، بحيث أضحت حاسمة في توجيه دفة الصراع نحو مستقبل قد يلبي مطامح الشعب في تغيير جذري يستجيب لحاجياته الفعلية نحو تطور اقتصادي و اجتماعي بعيد كليا عن نموذج الليبرالية المتوحشة التي أسس لها الديكتاتور "بينوتشي" قبل أن ترثها النخب السياسية الحاكمة التي جاءت بعده.

و المهم في هذه التحولات، ليس فقط ما أفرزته من إيجابيات أهمها الديناميكية النضالية و الاجتماعية التي خرجت من رحم الحراك الاجتماعي الكبير فحسب، و إنما، كذلك، دور المرأة و مشاركتها القوية و الحاسمة في صنع هذه الديناميكية و كانت الشيلي تنفرد باستمرار بهذا التميز الذي جعل تاريخها يسجل باعتزاز دور المرأة و مشاركتها في النضال الاجتماعي، كما برز دورها الخلاق و المبدع في حقول أخرى فنية و ثقافية و حقوقية و علمية، و هي البلد الذي حازت شاعرته الكبيرة، "غابريييلا ميسترال"، جائزة نوبل في الآداب عام 1945، أي قبل أن ينالها الشاعر الكبير بابلو نيرودا عام 1971. 

و في انتخابات اليوم الأحد هناك امرأة شيلية من أحد الأحياء الفقيرة لبلدية "سان فيرناندو" بالعاصمة سانتياغو، تخطف الأضواء ليس في الشيلي وحدها، بل في أميركا اللاتينية و فرنسا و إسبانيا، إذ يتم التركيز عليها إعلاميا بقوة أكثر من المرشحين السبعة للرئاسة رغم أنها ترشحت فقط لعضوية مجلس الشيوخ و يراهن العديد من الشباب على نجاحها من خلال الوقوف معها و الدعاية لبرنامجها و لأفكارها البسيطة و العميقة الدلالات و السر في ذلك، أن هذه المرأة، و اسمها الحقيقي "فابيولا كامبيلاي"، كفيفة و قد يحصل، في حال نجاحها اليوم، أن تكون أول سناتورا في التاريخ بمجلس الشيوخ عمياء و لا تستطيع رؤية زملائها المشرعين، لكنها ستعتمد على صوتها في الدفاع عن مصالح و حقوق المهمشين في المجتمع و هي التي قالت للكثيرين منهم في حملتها الانتخابية "أنتم عيوني و أنا صوتكم.!".

 أما السبب الذي أدى بالمرشحة "فابيولا" إلى فقدان بصرها، فهو القمع الهمجي الذي مارسته عليها القوات الأمنية لنظام الرئيس "سيباستيان بينييرا"، عندما أطلقت على وجهها قنبلة مسيلة للدموع خلال مشاركتها في الحراك الاجتماعي لسنة 2019. و كان يبعد عنها ضابط الشرطة، "باتريسيو ماتورانا"، بحوالي 50 مترا عندما تعمد استهداف عيونها و وجها كجزء من سياسة قمعية جعلت أزيد من 400 شيلي و شيلية (حسب إحصاء رسمي) فاقدين لبصرهم لمجرد أنهم شاركوا في الحراك بطريقة سلمية. 

و بهذا العنف الموجه بتعليمات رسمية، فقدت "فابيولا" بصرها حسب إفادة الصحافة المحلية لما حدث لها، بل أنها وصفت بدقة كيف أنها في تلك اللحظة التي تعرضت لإطلاق القنبلة المسيلة للدموع على وجهها، ما أدى إلى كسر جمجمتها والتسبب في وصول السائل الشوكي إلى دماغها، تاركًا إياها بلا بصر ولا رائحة ولا طعم. و بدلاً من مساعدتها، و هي مستلقيًة على الأرض و فاقدًة للوعي، أطلق الضباط المزيد من القنابل المسيلة للدموع، و فيما بعد تراجعوا إلى ممر منخفض المستوى تم غادروا. وحدهم الجيران تكفلوا بإنقاذها عندما وضعوها في سيارة ونقلوها على الفور إلى المستشفى. 

هذه المرأة برهنت مأساتها الناجمة عن العنف المذكور بأنها استثنائية و أنها درس في السياسة مكثف الدلالات، حيث لم تفقد الأمل في الحياة بفقدان بصرها و إنما ترشحت للانتخابات التشريعية كمستقلة ضمن التصور الذي سمح الحراك الاجتماعي ببلورته، و هي مرشحة إلى جانب وزير الصحة السابق الذي اعترف في برنامج تلفزيوني أنه ليس لديه "أدنى فكرة عن الفقر و الاكتظاظ جنوب سانتياغو حيث ولدت و ترعرعت المرشحة الكفيفة "فابيولا". 

فماذا فعلت لتستحق أن تكون امرأة استثنائية في عز محنتها؟ 

تطور وعيها السياسي الذي كانت بذوره الأولى يدفعها للمشاركة كمستقلة في الحراك الاجتماعي، تحول إلى قناعة كبرى ما جعلها خلال حملتها الانتخابية تنشر مقولتها الأساسية و هي أن "السياسة ملك للجميع". 

و بمجرد أن انتهت "فابيولا" من العملية الجراحية لمعالجة و جهها و جمجمتها المكسورة و إعادة تأهيلها، بدأت بالتدرج في إعادة بناء حياتها في ظلام دامس من دون رؤية أي شيء، لكن وعيها السياسي الذي تبلور مع محنتها جعلها ترى ما لا تراه الكثير من القوى السياسية اليمينية و اليسارية التي أتاحت لها الفرصة للوصول إلى السلطة دون أن تغير من أوضاع الناس و تضمن حقوقهم في مختلف مجالات حياتهم. 

و في تعبير قوي يجسد تطور وعيها السياسي، قالت "فابيولا"، "أريد تحويل هذه المأساة إلى حصن لمواصلة النضال ليس فقط في الشوارع (الحراك الاجتماعي)، و إنما كذلك في مجلس الشيوخ، أريد أن أكون هناك للمساعدة في تغيير كل شيء. 

منذ قدمت "فابيولا" ترشيحها كمرشحة لمجلس الشويخ، تعاطف معها الكثير من المواطنين خصوصا فئة الشباب، و كانت تستخدم شرفة منزلها مقرا لحملتها رفقة زوجها و أطفالها الثلاثة في وقت تواصل فيه التعافي من آثار القنبلة المسيلة للدموع. 

لكن فقدان بصرها لم يعد يسمح لها بالخروج لوحدها كما كانت تفعل في السابق عندما تريد الذهاب لممارسة عدة أنشطة، فهي كانت لاعبة لكرة القدم و تعمل متطوعة لإطفاء الحرائق ضمن فرق الوقاية المدنية، فضلا عن كونها ناشطة اجتماعية. 

و هي اليوم حريصة أن لا ترفع الأشياء الثقيلة حتى لا يتسبب لها المجهود المبذول في تسرب السوائل إلى دماغها تبعا لنصائح الأطباء، و تنتقل بين أرجاء المنزل بإتباع حواف السجادة للوصول إلى مختلف الغرف، كما تمسك بخصر زوجها بخفة أثناء سيرها في أزقة الحي. 

قضيتها الآن مطروحة أمام العدالة، لكن محاكمة المسؤولين في الأجهزة الأمنية على التسبب لها في فقدان بصرها لم تنطلق بعد رغم أن التحقيق الذي أجرته الشرطة القضائية استغرق أكثر من ثمانية أشهر، بينما يُجري مكتب المدعي العام تحقيقاً ثانياً قد يواجه فيه المتهم الوحيد الذي يوجد حاليا قيد الإقامة الجبرية حكماً بالسجن لمدة 12 عاما،

و لدى "فابيولا" أكثر من سبعين شاهدا قدموا بالفعل شهادتهم لفائدتها من اجل أن تنال الإنصاف، كما هناك وثائق ضمنها أشرطة فيديو توثق للاعتداء الهمجي الذي استهدف السيدة "فابيولا" التي فقدت بصرها فقط لأنها حلمت بأن المشاركة في الحراك الاجتماعي سيحقق لشعبها الديمقراطية الفعلية الضامنة لانجاز التغيير الجذري و المحافظة على الكرامة و الحقوق و العدالة الاجتماعية.