،google.com, pub-6704360869106781, DIRECT, f08c47fec0942fa0
1 قراءة دقيقة
19 Oct
19Oct


بقلم: المصطفى روض 

كان يوم أمس الاثنين يوما استثنائيا و تاريخيا في الشيلي لعدة اعتبارات سنذكر بعضها إسهاما في توضيح صو رة التحول الاجتماعي و السياسي الذي حقق ثماره الحراك الاجتماعي الشعبي الذي انطلقت شرارته الأولى في شهر أكتوبر عام 2019.

 الاعتبار الأول هو أن يوم أمس الاثنين تزامن فيه احتفال الشعب الشيلي بالذكرى الثانية مع انطلاق الجمعية التأسيسية في كتابة الدستور الجديد الذي سيكون بديلا عن دستور نظام الديكتاتور، "بينوتشي"، بعد  ثلاثة أشهر من عملها المكثف في قضايا ذات طبيعة تنظيمية.  

و كما هو معروف فإن مشكلة النظام السياسي "الديمقراطي" في الشيلي كانت تكمن في اعتماده على الدستور الذي صاغه و اعتمده نظام "بينوتشي" للاستجابة إلى إسترايتيجته في الهيمنة على المجتمع و على مصالحه العامة و موارده الاقتصادية و الطبيعية الذي ظل معمولا به كوثيقة دستورية سمحت للديكتاتورية بالتحكم داخليا و باستباحة سيادة البلد لفائدة الولايات المتحدة و بمصادرة الحريات و قمع فصائل قوى اليسار الذي نال أطرها و مناضلوها النصيب الأكبر من عمليات الاضطهاد و الاغتيالات. 

و على الرغم من تغيير نظام "بينوتشي" منذ حوالي 32 سنة، و الدخول في مرحلة ما سمي بالنظام "الديمقراطي"، ظل الغباء السياسي يحكم منطق القوى اليسارية التي قبلت، بالمشاركة في لعبة هذا النظام على أساس الوثيقة الدستورية لنظام الديكتاتور، و كانت تشارك في الانتخابات و تنال حظها من الوصول إلى رئاسة الدولة و الحكومة و المؤسسة التشريعية دون أن تستطيع الإقلاع عن تنفيذ برامج اليمين الليبيرالية بطابعها المتوحش، و في ظل حكومتها سواء في عهد "ميشيل باشليت"، أو قبلها "ريكاردو لاغوس"، كان اليمين رغم وجوده في المعارضة خارج السلطة هو المستفيد الوحيد من منجزات قوى اليسار عندما تكون في الحكم، بدليل تواصل الاحتكارات الخارجية للمقدرات الاقتصادية و للقطاعات الإستراتيجية الهامة، مثل المناجم و خوصصة الطاقة الكهربائية و الماء، و  الضمان الاجتماعي و تحويل منظومة التعليم إلى خدمات تجارية... هذا يعني ان قوى اليسار أصبحت شريكا لليمين  بالفعل في استدامة إرث الديكتاتور بينوتشي الذي ظل يحكم الشيلي من قبره، و هو ميت. إنها مفارقة لا يمكن أن تمحيها اللغة الإيديولوجية المفارقة التي، للأسف، مازالت قوى اليسار تعتمدها و تصبغ عليها طابعا تقدميا. من يناهض الديكتاتور، يجب ان يناهض برنامجه السياسي و أن يزيح دستوره انسجاما مع موقف الشعب الذي رفض، خلال استفتاء، استمرار الديكتاتور في رئاسة الحكم، قبل اللعب في مسرح النظام "الديمقراطي" الهجين، و أن يناضل من أجل استئصال المصالح الضيقة التي خلقها على حساب مصالح الشعب لفائدة الأوليغارشية و البورجوازية الشيلية المتوحشة و التي جاءت بالرئيس الحالي إلى رئاسة الدولة رغم أنه أغنى رجل في الشيلي و يتحلى بأخلاق متوحشة دفعته إلى ارتكاب حماقات ستجر عليه العزل من منصبه في مقبل الأيام و المحاكمات على انتهاكه لحقوق الإنسان و للفساد المالي الذي بدأت  رائحته الكريهة تفوح من قصر "لامونيدا" الجمهوري في العاصمة الشيلية. 

الاعتبار الثاني، و هو أن هذه الحقيقة هي التي جعلت جيلا مستقلا عن أحزاب قوى اليسار يطلق شرارة الحراك الاجتماعي لعام 2019، مدركا لميكانيزم تعطيل التحول السياسي و الاجتماعي و لتورط قوى اليسار التقليدية التي تخلت بالمطلق عن إرث الزعيم "سالفادور أليندي"، و هو ميكانيزم العض بالنواجذ على دستور الديكتاتور بينوتشي. و هذا الجيل معظمه من الشباب و الطلاب و ممثلي السكان الأصليين و   الجمعيات البيئية و الثقافية و الفنانين.. لذلك كانت معظم مظاهرات االحراك الاجتماعي الذي استغرقت مدته سنتين قبل أن يتوقف بسبب الجائحة، ترفض بشكل مطلق أن تشارك أحزاب اليسار التقليدي فيها، و الرفض لم يكن فقط بالكلام و إنما أحيانا بحرق أعلامهم و بالعنف اللفظي الذي يستشف منه الغضب على ذلك التواطؤ بالقبول بالمشاركة و الاعتراف بالنظام "الديمقراطي" الهجين على أساس دستور "بينوتشي". 

الاعتبار الثالث، هو أن الحراك الاجتماعي الشعبي، رغم توقفه بسبب الجائحة ظل يحقق منجزات التحول الاجتماعي و السياسي، و أول منجز في هذا السياق، كان هو ضرب ميكانيزم الوثيقة الدستورية للمرحلة الديكتاتورية و فرض استفتاء على نظام الرئيس الحالي "بينييرا، لكي يقرر الشعب في المسألة الدستورية حيث كانت على رأس مطالب الحراك، تغيير الدستور بآخر بديل، فصوت الشعب لصالح دستور بديل بنسبة 87 في المائة، ما شكل ضربة قوية لأسس النظام النيوليبيرالي، وريث مرحلة "بينوتشي". و استكمل هذا المنجز بآلية أخرى مستمدة منه، و هي المتعلقة بالجمعية التأسيسية التي انتخبها لاحقا الشعب لتتكفل بكتابة الدستور البديل و الجديد في مدة سنة، و التي انطلقت يوم أمس عملية كتابته، علما أن هذه الجمعية التأسيسية هي شوكة في حلق النظام اليميني، لكون معظم مكوناتها تقدمية و فيها توازن هام لتمثيلية الشعب برمته بما فيها السكان الأصليين و ضمنهم المابوتشي التي أختيرت واحدة منهم، و هي الأكاديمية السيدة "إليسا لونكون" رئيسة الجمعية التأسيسية، علما أن عدد أعضاء قوى اليمين في الجمعية التأسيسية ضئيل جدا و لن يكون لهم أي تأثير في التشويش أو في عرقلة كتابة مضمون نص الوثيقة الدستورية الجديدة التي بفضلها سيبنى شكل الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية الضامنة لكرامة الشعب و لحريته و لكافه حقوقه و لتعايش مختلف مكوناته و أعراقه و شعوبه. 

الاعتبار الرابع و هو خروج الشعب الشيلي، يوم أمس الاثنين، في كافة مدن و قرى البلد للاحتفال بالذكرى الثانية للحراك الاجتماعي، و كانت أكبر مظاهرة، في سياق هذا الاحتفال، مظاهرة ساحة الكرامة القريبة من القصر الرئاسي التي ساد فيها الغناء و رفع المتظاهرون فيها نفس شعارات و مطالب الحراك الاجتماعي تأكيدا لهم على أن طريق التحول الاجتماعي و السياسي كما رسمها الحراك بات معبدا و يصعب على قوى اليمين أن تهدمه أو ان توقف الشعب السير فيه. 

الاعتبار الخامس هو الضربات السياسية التي يتلقاها رأس النظام اليميني المحافظ، فبالأمس راجعت قوى المعارضة في البرلمان بمقر البرلمان، بحضور المدعي العام الوطني و ممثلي الإعلام و القضاء، نص وثيقة الاتهام الدستوري ضد الرئيس "بينييرا"، و ربما يعود سبب هذه المراجعة إلى ظهور فضيحة أخرى من فضائح الفساد المالي، حسب إفادة الصحف المحلية. 

و الاتهام الدستوري نضجت شروطه و العديد من نواب اليمين سينأون بأنفسهم عن الدفاع عن الرئيس الذي غالبا ما سيتعرض للعزل من منصبه قبل أن تنتهي مدة ولايته الثانية في الشهر المقبل. و حتى فرضا أنه سوف لن يعزل، فإن مطرقة العدالة الشيلية ستنزل عليه بقوة بعد أن أصبح موضوع تحقيق قضائي في قضية جرائم ضد الإنسانية و الفساد المالي بعد فضحه من قبل أوراق "باندورا"، فضلا عن الدعوى القضائية المرفوعة أمام محكمة الجنايات الدولية.

و استعمال أساليب القمع من قبل رجال قوات نظام الرئيس "بينييرا" لثني الشيليين و منعهم من المشاركة في مظاهرات الاحتفال بالذكرى الثانية للحراك الاجتماعي، ما هي في الحقيقة إلا محاولات يائسة تعبر عن عجز هذا النظام في رؤية التحول الاجتماعي و السياسي يشق طريقة بإصرار، بينما قافلة رجالات أمنه و شبيحته من اليمين المتظرف، تغرد خارج أسراب الثورة الاجتماعية التي يوجد مفتاحها لدى الجمعية التأسيسية و لدى إراداة الشعب الشيلي بقواه الجديدة المستقلة و الذي قرر أن ينهي مع الظلم و مع أساليب الحكم الديكتاتوري، بما فيها الديكتاتورية "الناعمة"، و مع قوى اليمين برمته و يسار تقليدي أخطأ طريقه و خان تراث زعيمه سالفادور أليندي.